موقع سودان إكسبريس
كتب سامي محمد احمد
تقدم الرواية الليبية «مكالمة فائتة.. حكايات عبرت البسفور» للكاتب عبدالله عزالدين أبوبكر تجربة أدبية لافتة تنتمي إلى ذلك النوع من الأعمال التي تتجاوز الحكاية المباشرة لتلامس أسئلة الإنسان الكبرى؛ الوطن، والغربة، والهوية، والحب، والفقد، والانتظار.
وتأخذ الرواية القارئ إلى إسطنبول، المدينة التي تتحول في العمل من مجرد مكان للأحداث إلى شخصية حاضرة بكل تفاصيلها وتناقضاتها، حيث تتقاطع مصائر أناس قدموا من بلدان مختلفة، وحمل كل واحد منهم ذاكرته الخاصة وأحلامه وانكساراته.
ولا يكتفي عبدالله عزالدين أبوبكر برسم صورة سياحية للمدينة، بل ينفذ إلى وجهها الآخر؛ وجه المهاجرين والعابرين والغرباء الذين يعيشون على هامش المدينة، ويكافحون من أجل البقاء، بينما يحمل كل منهم وطنًا بعيدًا يسكن داخله.
وتتميز الرواية بقدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة في حياة الشخصيات إلى أسئلة إنسانية كبيرة. فالمكالمة الهاتفية، والانتظار، والشقة الضيقة، والمقهى، ومحطة السفر، واللقاء العابر، وحتى لحظات الصمت، تتحول في سرد أبوبكر إلى علامات على حياة كاملة من الفقد والأمل.
ويبدو البسفور في الرواية أكثر من مجرد جسر بين ضفتين؛ فهو رمز للعبور بين عالمين، وبين ماضٍ لا يريد أن ينتهي ومستقبل لا يزال مجهولًا. ومن خلال هذا الفضاء، يرسم الكاتب عالمًا تتجاور فيه الثقافات والجنسيات، لكن يجمع أصحابه شعور واحد: البحث عن الأمان والانتماء.
وتكمن عظمة «مكالمة فائتة» في بعدها الإنساني، إذ لا تقدم الغربة باعتبارها مجرد انتقال من بلد إلى آخر، وإنما باعتبارها حالة داخلية يعيشها الإنسان عندما يفقد المكان الذي يشعر فيه بأنه ينتمي. ولهذا تبدو شخصيات الرواية قريبة من القارئ، مهما اختلفت أوطانها وتجاربها.
ويكشف الكاتب عبدالله عزالدين أبوبكر في هذا العمل عن حس سردي واضح وقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية، مع لغة تجمع بين البساطة والعمق، وتترك للقارئ مساحة للتأمل في مصائر الشخصيات وما تخفيه وراء حكاياتها.
كما أن الرواية لا تنتمي إلى أدب الهجرة بمعناه التقليدي فحسب، بل تفتح الباب أمام قراءة أوسع لعالم عربي يعيش تحولات قاسية، حيث أصبح الرحيل، والبحث عن وطن بديل، والانقسام بين الذاكرة والمكان، جزءًا من التجربة اليومية لملايين البشر.
ويأتي عنوان «مكالمة فائتة» بوصفه واحدًا من أكثر مفاتيح الرواية دلالة؛ فالمكالمة التي لم تصل في موعدها تصبح استعارة للحياة نفسها، ولأشياء كثيرة في حياة الإنسان قد تأتي متأخرة: اعتذار، حب، لقاء، فرصة، أو حتى كلمة أخيرة.
وبهذا المعنى، تبدو «مكالمة فائتة.. حكايات عبرت البسفور» رواية عن الإنسان قبل أن تكون رواية عن المكان، وعن الذين يعبرون الحدود والجغرافيا بحثًا عن حياة جديدة، بينما تظل أوطانهم الأولى حاضرة في الذاكرة.
وتضع الرواية عبدالله عزالدين أبوبكر أمام القارئ بوصفه كاتبًا يمتلك مشروعًا سرديًا يستحق التوقف عنده، ويؤكد أن الأدب الليبي قادر على الوصول إلى فضاءات إنسانية واسعة، وأن الحكاية المحلية يمكن أن تتحول، حين تُكتب بصدق ووعي، إلى حكاية تخص الإنسان في كل مكان.
إنها رواية تستحق القراءة، لأنها لا تكتفي بأن تحكي قصة، بل تجعل القارئ يتساءل بعد الصفحة الأخيرة: كم من الأشياء المهمة في حياتنا كانت مجرد «مكالمة فائتة»؟
اضغط هنا لمتابعة قناة واتساب سودان إكسبريس

