جغرافيا التنكيل.. عندما تتحول “السلطة التقديرية” إلى مقصلة للإفساد العدلي
أخبار سودان إكسبريس
بقلم: الاستاذ/ النذير السر
تنبثقُ “السلطة التقديرية” في جوهر النظم القانونية كأداةٍ بالغةِ الحساسية مُنحت للقضاء والنيابة العامة لتكون “رئة القانون” التي يتنفس من خلالها، بغية تحقيق عدالةٍ مَرنة تنفذُ إلى جوهر الملابسات بعيداً عن جُمود النصوص.
غير أن هذه السلطة التي أُوجدت لتكون ميزانًا للإنصاف، بدأت تُواجه في الممارسة العملية انحرافاتٍ جسيمة تحيلها إلى ثغرةٍ يَنفذ منها “الإفساد العدلي” المنظم، عبر التلاعب بـ “الاختصاص المكاني” وربطه بـ “الاختصاص النوعي” تحت غطاء نصوصٍ مطاطة تُسئ تأويل عبارة “مصلحة العدالة”.
إن الأصل القانوني الراسخ وفقًا للقواعد الآمرة في المواد (7، 8، 135) من قانون الإجراءات الجنائية 1991، والمواد (26، 27، 28) من قانون الإجراءات المدنية، يوجب مُقاضاة الفرد أمام “قاضيه الطبيعي” وفي دائرته المكانية المرتبطة بمحل إقامته أو مكان وقوع النزاع؛ فهذا الثبات ليس ترفاً إجرائياً، بل سياج أمانٍ يحمي المواطن من التعسف.
فمبدأ القاضي الطبيعي لا يقتصر على تحديد الجهة القضائية المختصة فحسب، بل يمتد ليشكل ضمانةً دستورية جوهرية تُحصّن المتقاضي من أي تدخل أو توجيه أو نقل تعسفي قد يخلّ بتوازن الخصومة أو يُضعف فرص العدالة المتكافئة بين الأطراف.
بيد أن الواقع يشهد “هندسةً للظلم” يقودها بعض أصحاب النفوذ والسطوة الذين يستغلون ثغرات التقدير النيابي لجر الخصوم إلى دوائر اختصاص “غير أصيلة”، في محاولة مكشوفة لاختطاف العدالة وسحب الخصم بعيداً عن حماية دوائره الطبيعية إلى “أراضٍ صديقة”.
وفي هذه البيئات المنقولة قسراً، تتبدل موازين القوة لصالح الطرف الأقوى، حيث تتوفر له حظوةٌ لدى الأجهزة التنفيذية أو نفوذٌ محلي يضمن انتزاع أوامر قبضٍ وتفتيش تعسفية لا تتوفر في الدوائر المحايدة، مما يحول الجغرافيا إلى أداة ترهيب مادي ومعنوي.
إن الخطورة لا تتوقف عند حدود المكان، بل تمتد لتطال “الاختصاص النوعي” عبر توصيف النزاع بغير حقيقته؛ كتحويل النزاعات المدنية أو التعاقدية إلى بلاغات جنائية كيدية استناداً إلى ذات السلطة التقديرية.
وهذا التحويل لا يُعد مجرد خطأ إجرائي، بل يمثل انحرافاً في استعمال السلطة، إذ يُستخدم القانون الجنائي – بما يحمله من رهبة وإجراءات قسرية – كوسيلة ضغط لإخضاع الخصوم وإجبارهم على التنازل أو التسوية غير العادلة.
مما يجعل المواطن ضحيةً لـ “جرجرةٍ إجرائية” تُنهكه مادياً ومعنوياً وتُجبره على الخضوع لـ “سلطان القوة” لا القانون.
إن التذرع بـ “حسن النية” عند تجاوز الاختصاص المكاني هو ادعاءٌ يدحضه الواقع، إذ إن تغيير الاختصاص دون ضرورةٍ فنية قاهرة يُعد قرينةً على سوء النية المسبق ومحاولةً لتغييب الرقابة القضائية المركزية لصالح مراكز القوى المحلية.
كما أن غياب التسبيب الواضح لقرارات نقل الاختصاص يفتح الباب واسعاً أمام الشك في حياد القرار، ويقوّض مبدأ الشفافية الذي يُعد أحد أعمدة العدالة الناجزة.
وهنا يبرز الدور المصيري للأجهزة الرقابية، وعلى رأسها إدارة التفتيش القضائي ورئاسة النيابة العامة، المطالبة اليوم بقطع الطريق أمام تغول أصحاب النفوذ ومنعهم من استخدام أجهزة الدولة كأدوات لتصفية الحسابات الخاصة.
كما يتعين تعزيز آليات المساءلة الداخلية، وربط المسؤولية التأديبية بكل قرار يثبت فيه التعسف أو الانحراف في استعمال السلطة التقديرية، حتى لا تتحول هذه السلطة إلى حصانة غير معلنة.
إننا نضع هذا الملف أمام منضدة السيد رئيس القضاء والسيد النائب العام لإصدار منشوراتٍ عدلية تُجرم “التسوق القضائي”، وتُلزم المسؤول العدلي بـ “تسبيب” اختيار المكان بوضوح يمنع المحاباة.
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى وضع معايير إجرائية صارمة تحدد الحالات الاستثنائية التي يجوز فيها الخروج عن قواعد الاختصاص المكاني، بحيث تكون محددة ومقيدة ولا تُترك لتقديرٍ فضفاض.
مع تفعيل “دوائر تظلم مستعجلة” تفصل في صحة الاختصاص قبل المضي في الإجراءات، بما يضمن عدم إهدار الزمن القضائي أو تحميل المتقاضين أعباءً إضافية لا مبرر لها.
إن رسالتنا للجمهور والمحامين وجمعيات العدالة هي ألا تركنوا لهذا التلاعب كأمرٍ واقع، فهو محاولة لكسر إرادتكم بـ “إرهاب التقاضي”.
كما أن التوثيق الدقيق لكل حالة تجاوز، ورفعها للجهات المختصة، يمثل خطوة عملية في مقاومة هذا النمط من الانحراف، ويُسهم في بناء سوابق رقابية تحدّ من تكراره.
وعليكم التمسك بحقوقكم في كل مرحلة، فعودة المحكمة الدستورية كفيلةٌ بزلزلة هذه القرارات الجائرة.
أما قادة الأجهزة العدلية، فعليهم إدراك أن الصمت على إهدار وقت وأموال المتقاضين وتبرير تجاوزات ذوي السطوة هو مساهمةٌ في هدم الثقة بالمنظومة العدلية.
فالثقة في العدالة لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل تُصان بالممارسة اليومية العادلة، وبالوقوف الحازم ضد كل انحراف مهما كان مصدره.
وواجبكم يقتضي كف يد كل من يحاول استخدام القانون مطيةً للظلم وإطالة أمد النزاع، فاسترداد هيبة القانون يبدأ من احترام “المكان”.
ومن يظن أن القوة تحميه، فليعلم أن منصة العدالة الحقيقية لا تعترف إلا بالحجة والبرهان، لا بالترهيب وتطويل الأمد الذي لا يخدم سوى مفسدي العدالة.
