آخر الأخبار

عقول على وضع الطيران: عندنا يصبح غياب الوعي أسلوب حياة

بقلم – حسام الدين كرنديس

في السودان، لا احد ثمل… الكل صاحي جدا، لكن بعض العقول قررت انها تطير بلا بوصلة القرارات تتكلم متلجلجة الذاكرة تعمل بنظام الحذف التلقائي ومع ذلك نصر على ان الامور تمام. بالواضح ما بالدس، نحن مجتمع يعرف اسباب ضياع نفسه، لكنه يصر على تجاهلها.
هناك حالة غياب وعي جماعي، نحب ان نسميها حرية، ونغلفها بابتسامات بينما حقيقتها فقدان سيطرة وترنح مقنن وهروب مؤقت يتحول مع الوقت الى اسلوب حياة.
تبدأ الحكاية بابتسامة، وتنتهي بذاكرة مثقوبة، وقرارات مهزوزة ومستقبل بلا عنوان.
المجتمع السوداني كان سابقا يعرف حدوده، الغلط كان في الظلام، لا فخرا به بل خوفا من العيب قبل الحرام، عبارة (اذا بليتم فاستترو) كانت اشارة مرور تمنع الاستعراض حتى لو لم تمنع المخالفة، اليوم الاشارة مقلوبة والشارع مفتوح والكل يسوق بعين واحدة ويغني.
الفن كان الضحية الاولى، كم فنان صعد بسرعة ثم هبط اسرع، ليس لان الموهبة خانته بل لأن عقله اخذ اجازة مفتوحة، السهر صار خطة عمل، والتأخير صار شخصية فنية، والنسيان صار اسلوب حياة حتى التوهان.
الجمهور يعرف، يضحك، يصفق، ثم يسأل: ليه وقع؟
كم فنان جماهيري ضاع نفسه و فنه ؟ كم مشهور و مؤثر ضاع بسبب تستر المجتمع على هذه الفعلة، هل المحبين و المتابعين لا يعرفوا الأسباب؟ اكيد يعرفوا و يتحدثوا به في جلساتهم الخاصة ؟ و بعضهم يتباهى بالموضوع، هل هم احد المعجبين الذين يتجاوزوا الملايين بنصح الفنان بضرورة المحافظة على نفسه قبل المحافظة على فنه؟ بل ذهبوا لأبعد من ذلك و يهاجموا كل ناصح أو من يقول الحقيقة، أليس هذا هو النفاق الاجتماعي.
ولا تتصوروا ان التيه توقف عند المسرح. امتد الى الرياضيين والمثقفين والسياسيين، المهندسين، الاطباء، الطيارين، وحتى القانونيين. الجميع يبدأ بنفس الجملة : انا متحكم. وكأن التحكم يقاس بعدد المرات التي ضاع فيها العقل ثم عاد متأسفا.
الطامة الكبرى ليست في الفعل، بل في فلسفته.
اصبح الغياب عن الوعي يسمى حرية، والترنح تجربة، وفقدان السيطرة كسر قيود.
القيم ماتت قبل الناس الكرم تعب، النصح صدع راسه.
الإنسان الذي كان خفيف الروح، صار ثقيلا على نفسه وعلى غيره صحته تتآكل، عقله يتعب، ونفسه تفرغ، وكل ذلك مقابل لا شيء لا متعة حقيقية لا سعادة، مجرد نشوة قصيرة يعقبها صداع طويل وسمعة مثقوبة، ثم المجاهرة لتصفق له الناس و مع ابتعاده خطوات يضحكون عليه .
الذي كان يستر صار يعلن، الذي كان يخجل صار يتباهى.
بعض النساء فكن العرش بالكامل، وكأن الحياء تحديث قديم تم حذفه، هنا لا نتحدث عن حرية شخصية بل عن عرض حي لإنهيار الذوق العام.
الصمت هنا ليس ادب، الصمت مشاركة كاملة. المجتمع الذي يرى ويمتنع عن الكلام، يشارك في انتاج نفس الكارثة مرة بعد مرة.
لا ادعو للفضح، لكن الاعتراف بالخطأ ضرورة، و لا اتدعي المثالية، لكن حماية الوعي واجب.

اخر الكلام

بالواضح ما بالدس من يفرط في وعيه، يفرط في كل شيء. بلد بلا عقل حاضر، بلد يمشي بعين واحدة… لكنه ماشي نحو المجهول. والعودة ليست بالمواعظ، بل بالصدق، واستعادة قيمة الوعي، والتمسك بالستر لا بالمجاهرة. فمن يضيع وعيه، يضيع كل شيء، حتى وهو يظن أنه مستمتع.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب