فوضى التنسيق الحكومي: وزيرة شؤون مجلس الوزراء تحت المجهر
مقال بقلم: م. محمد أحمد عمر
لم يعد الخلل في أداء الجهاز التنفيذي السوداني أمرًا خفيًا أو قابلًا للتبرير بذرائع المرحلة الانتقالية أو ضغوط الواقع، بل تحوّل إلى ظاهرة واضحة تتجلى في قرارات متسرعة، وتراجعات مربكة، وارتباك متكرر في إدارة ملفات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
حكومة الدكتور كامل إدريس باتت تواجه لومًا متزايدًا بسبب جملة من القرارات التي إما لم تُتابع حتى النهاية، أو لم تُشرح للرأي العام بالقدر الكافي. كما أثار تعيين عدد من المستشارين وأعضاء الطاقم المحيط بالحكومة، دون المرور بالإجراءات المعتادة التي تكفل مبدأ تكافؤ الفرص في الوظائف العامة، تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار وآليات اتخاذ القرار داخل الجهاز التنفيذي.
وفي قلب منظومة صناعة القرار التنفيذي، يبرز اسم وزيرة شؤون مجلس الوزراء، لمياء عبد الغفار، بوصفها في بؤرة المسؤولية المتعلقة بتسيير الإجراءات الحكومية وضبط إيقاع العمل بين الوزارات المختلفة. وقد تعرّضت الوزيرة خلال الفترة الماضية لانتقادات حادة بسبب ما اعتُبر ضعفًا في التنسيق وغيابًا للانضباط المؤسسي في عدد من الملفات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، القرار الأخير المتعلق بزيادة تعرفة الكهرباء، والذي صدر ثم جرى التراجع عنه سريعًا بطريقة أثارت كثيرًا من الاستفهام حول مدى التخطيط والدراسة، إن وُجدت، قبل إصدار قرارات تمس بشكل مباشر معيشة المواطنين. وفي مثل هذه الحالات، تتحمل وزارة شؤون مجلس الوزراء، بحكم اختصاصها، مسؤولية أساسية في ضمان التنسيق بين الجهات المعنية قبل إعلان أي قرار.
ولم يقف الجدل عند هذا الحد، إذ وجدت الوزيرة نفسها مؤخرًا في قلب عاصفة إعلامية عقب تصريحات أدلت بها لأحد المواقع الإخبارية حول مفاوضات سودانية مزعومة مع دولة الإمارات في الولايات المتحدة. وسرعان ما تراجعت الوزيرة عن تلك التصريحات، رغم أن الجهة الصحفية الناشرة معروفة بموثوقيتها، ليُوجَّه لاحقًا إلى وكالة السودان للأنباء نفي رسمي للتصريحات، قبل أن يُعدَّل النفي نفسه بحذف اسم الجهة الصحفية. هذا التسلسل في النفي والتعديل عمّق حالة الارتباك، وأعاد طرح الأسئلة حول إدارة الخطاب الإعلامي الرسمي وتعدد مراكز التصريح داخل الحكومة.
إن الدور الطبيعي لوزارة شؤون مجلس الوزراء لا يقتصر على الجوانب الإجرائية أو البروتوكولية، بل يتمثل في كونها الجهة الضابطة لإيقاع العمل التنفيذي، والحلقة التي تضمن مرور القرارات عبر قنوات واضحة، واستنادها إلى تنسيق حقيقي بين الوزارات، وحصولها على الغطاء السياسي والإداري اللازم قبل خروجها إلى العلن. غير أن ما شهدته الساحة مؤخرًا يعكس غياب هذا الدور أو عجزه عن أداء وظيفته الأساسية.
وليس هذا المثال استثناءً، فقد سبقت ذلك قرارات ذات طابع سياسي ودبلوماسي صدرت بصورة مفاجئة، ثم جرى التراجع عنها لاحقًا، ليتبين أن بعضها لم يُناقش في الدوائر المختصة، ولم يُعرض على القيادة التنفيذية العليا كما تقتضي الأصول المؤسسية. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الوزيرة لمياء عبد الغفار، بحكم موقعها، طرفًا مباشرًا في الإخفاق، سواء بالفعل أو بالصمت.
قد يكون صحيحًا أن الوزيرة لمياء عبد الغفار ليست وحدها المسؤولة عن كل ما يجري، لكن موقعها التنفيذي يجعلها مسؤولة عن منع هذا النوع من الفوضى، لا التعايش معه، خصوصًا عندما تكون هي نفسها طرفًا في التصريحات الإعلامية التي يُفترض أن تصدر حصريًا عبر الجهات المختصة، كالناطق الرسمي باسم الحكومة أو وزارة الإعلام.
إن تعيين المسؤولين في مناصب عليا لا ينبغي أن يستند فقط إلى الكفاءة النظرية، بل يتطلب خبرة عملية واسعة وتدريبًا نوعيًا على إدارة الصلاحيات الحساسة والتعامل مع تبعاتها. فإساءة استخدام هذه الصلاحيات، أو العجز عن إدارتها بحكمة، لا ينعكس على الأشخاص وحدهم، بل تمتد آثاره إلى استقرار الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح إصلاح الخلل التنفيذي، وفي مقدمته ضبط التنسيق داخل مجلس الوزراء، شرطًا أساسيًا لاستعادة الانضباط المؤسسي وهيبة القرار العام، قبل أن تتحول حالة الارتباك الراهنة إلى نهج دائم يصعب تصحيحه.
