في حوجة للفرح.. هل تعود إلينا ملامحنا بعد ليل الحرب الطويل؟
أخبار سودان إكسبريس
بقلم – حسام الدين كرنديس
مر السودانيون خلال العامين ونصف الماضيين بما لا يمكن وصفه إلا بجحيم نفسي ومعنوي ومادي قل أن تشهده الشعوب، لم تكن الحرب مجرد اشتباك عسكري في المدن والأحياء، بل كانت زلزالا ضرب النفوس قبل أن يهدم البيوت، واستوطنت آلامه في أعماق الأرواح قبل أن ترى على الجدران والأسقف المحترقة، أصبحت الحياة ثقيلة، والأيام متشابهة، تتكرر فيها ذات المآسي من فقد ونزوح وموت وبكاء وقلق وحنين لما قبل الحرب.
الكآبة الجماعية.. حين يصبح الحزن عادة
لم يكن الغريب أن نشعر بالحزن، لكن الغريب أن نعتاد عليه، صار الفرح استثناء، والابتسامة فعلا غريبا ترمق بشك، والحديث عن الأمل يبدو كترف لا يليق في ظل الخوف والجوع والشتات، الكآبة لم تعد مزاجا، بل ملامح على الوجوه، و تعبا في العيون، و ذهولا في النظرات. فقدنا أشياء كثيرة، منها البيوت والعمل والمدارس، لكن أعظم ما فقدنا هو أنفسنا، أرواحنا، خفت بريقها أو انطفا.
معاناة مركبة.. ليست حربا فقط
من فقد العائلة أو الأحباب، ومن رأى جاره ميتا، ومن خرج من بيته لاجئا أو نازحا أو تائها، يعرف أن هذه الحرب كانت أعمق من أن تفهم بلغة السياسة أو الجغرافيا، إنها حرب داخل النفس، في الصمت الطويل، في النوم الثقيل، في نوبات البكاء الصامت، في القلق الدائم، في الغربة عن الذات وعن الأحباب.
(عود لينا يا ليل الفرح)… صوت النداء من بين الركام
وسط هذا السواد، لا عجب أن نجد أنفسنا نناجي أغنيات قديمة فيها رائحة الأمان ودفء الذكرى. تغنى الفنان الطيب عبد الله بكلمات الشاعر الدكتور عبد الله محمد سليمان في (عود لينا يا ليل الفرح) وكأنها كتبت اليوم، في هذا الخراب، لتداوي أرواحنا التي (انجرحت) وتحن لليلة واحدة (يفرح فيها القلب يوم).
الأغنية تعبر عن توق دفين، عن شوق حقيقي للفرح، عن انتظار لليل مختلف، ليس ليل الانفجارات والرصاص، بل ليل (ضفاير الحب)، ليل (الأغاني الطيبة)، ليل الطفولة التي حملناها شوقا على ظهورنا.
كيف نخرج من هذا النفق؟
نحن لا نطلب معجزة. نحن فقط في حوجة للفرح. محتاجين لحكاية حلوة، لصورة طفل يضحك، لخبر يفرح، لمناسبة اجتماعية تشعرنا أن الحياة ما زالت ممكنة. نحتاج دعما نفسيا ومجتمعيا، مساحة آمنة نفرغ فيها كل هذا الحزن، نحتاج للإبداع، للمسرح، للغناء، للقاء الناس في سلام.
نحتاج أن نعيد للإنسان السوداني كرامته الداخلية، التي سحقها صوت الحرب، أن نعيد ترتيب أولوياتنا الاجتماعية، نحسن الإصغاء للجرحى في دواخلهم، نشجع مبادرات التعافي، ونتحدث أكثر عن الصحة النفسية بلا خجل.
آخر الكلام
نحن في حوجة للفرح فعلا…
نحن في حاجة إلى أن نصدق أن الحياة لم تنته بعد، وأن الابتسامة يمكن أن تولد من جديد، وأن روحنا (الطيبة) التي كادت تختنق في دخان الحرب، ما زالت تبحث عن نافذة.
ربما يكون الطريق طويلا، لكنه لا يستغنى فيه عن الفرح… لا كترف، بل كحق.
فعد إلينا يا ليل الفرح، فقد اشتقنا لوجوهنا كما كانت.
