لماذا يفشل كثيرون وينجح القادة الحقيقيون؟ قراءة في كتاب Start With Why
أخبار سودان إكسبريس
يُعد كتاب Start With Why للكاتب سايمون سينك من الكتب التي أعادت طرح سؤال القيادة والنجاح من زاوية مختلفة، مبتعدًا عن النصائح التقليدية التي تركز على المهارات أو الخطط أو الأدوات، ومقتربًا من جوهر أعمق يرى المؤلف أنه المحرّك الحقيقي للتأثير: الغاية.
ينطلق سينك من ملاحظة أساسية مفادها أن العالم مليء بالأشخاص الموهوبين، والمؤسسات التي تمتلك الموارد، والاستراتيجيات التي تبدو متقنة، ومع ذلك يفشل كثير منها في الاستمرار أو التأثير، بينما ينجح آخرون بإمكانات أقل ولكن برؤية أوضح. هذا التفاوت، بحسب الكتاب، لا يفسَّر بالكفاءة وحدها، بل بالسبب الذي يقف خلف العمل.
يركّز الكتاب على فكرة أن البشر لا يتخذون قراراتهم بناءً على المنطق فقط، بل على الشعور والانتماء والمعنى. لذلك، فإن القادة الحقيقيين لا يطلبون من الناس أن يؤمنوا بما يفعلونه، بل يجعلونهم يؤمنون بما يؤمنون به هم أنفسهم. هذه الفكرة تتكرر في الكتاب بصيغ متعددة، وتُعد حجر الأساس في تفسير ظاهرة القيادة الملهمة.
ولشرح هذا المنهج، يقدّم سينك نموذج “الدائرة الذهبية”، التي تتكوّن من ثلاثة مستويات متداخلة: لماذا، كيف، وماذا. ويؤكد أن معظم المؤسسات تتواصل مع جمهورها من الخارج إلى الداخل، فتبدأ بعرض المنتج أو الخدمة، ثم تشرح آلية العمل، وقد تلمّح إلى رسالة عامة في النهاية. أما القادة والمؤسسات المؤثرة، فيبدؤون من الداخل، أي من “لماذا”، ثم ينتقلون إلى “كيف”، ويختمون بـ“ماذا”.
في هذا السياق، يضرب سينك مثالًا متكررًا بشركة آبل، موضحًا أن خطابها التسويقي – حتى في أبسط صوره – لا يركّز على المواصفات التقنية فقط، بل على فكرة أعمق تتمثل في تحدي الوضع القائم وتمكين الأفراد من التفكير بشكل مختلف. هذا الخطاب لا يخاطب عقل المستهلك فحسب، بل إحساسه بالهوية والانتماء، وهو ما يفسّر درجة الولاء غير المعتادة التي تحظى بها الشركة.
ويمتد التحليل ليشمل المجال السياسي والاجتماعي، حيث يستحضر المؤلف تجربة مارتن لوثر كينغ، معتبرًا أن قوته لم تكن في كونه خطيبًا بارعًا أو صاحب برنامج تفصيلي، بل في وضوح غايته وقدرته على التعبير عنها بلغة القيم. حين قال “لدي حلم”، لم يكن يقدّم خطة عمل، بل كان يدعو الناس للاشتراك في إيمان مشترك، وهو ما جعل حركته تتجاوز الأشخاص والتنظيمات.
ويشير الكتاب إلى أن هذا النمط من القيادة لا يعتمد على الإقناع القسري أو السلطة، بل على الجذب الطبيعي. الناس، بحسب سينك، لا يتبعون القادة لأنهم مضطرون، بل لأنهم يريدون ذلك. وهذا الفارق هو ما يصنع الفرق بين قائد يُطاع وقائد يُلهم.
كما يناقش الكتاب مخاطر فقدان “السبب” مع مرور الوقت، حتى لدى المؤسسات الناجحة. يوضح سينك أن كثيرًا من الشركات تبدأ برؤية واضحة، لكنها مع التوسع والنمو تنشغل بالأرقام والمنافسة والنتائج السريعة، فتتراجع الغاية إلى الخلفية. وعندما يحدث ذلك، يبدأ التآكل الداخلي: القرارات تصبح متناقضة، الرسائل تفقد وضوحها، والجمهور يشعر – حتى دون وعي – بأن شيئًا ما تغيّر.
وفي أحد الأفكار اللافتة، يربط الكتاب بين وضوح “لماذا” والثقة، موضحًا أن الثقة لا تُبنى بالتصريحات أو الحملات الإعلانية، بل بالاتساق بين القول والفعل. عندما تكون الغاية واضحة، يصبح من السهل على الجمهور أن يتوقع سلوك المؤسسة أو القائد، وهذا التوقع هو أساس الثقة.
ولا يقدّم Start With Why نفسه ككتاب تنظيري فقط، بل كدعوة عملية لإعادة التفكير. يدعو الأفراد إلى طرح سؤال “لماذا” على مساراتهم المهنية، ويدعو المؤسسات إلى إعادة صياغة رسائلها وسياساتها انطلاقًا من قيمها الأساسية. ويرى أن هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة في عالم سريع التغيّر، حيث يمكن تقليد المنتجات والخدمات، لكن لا يمكن تقليد الإيمان الصادق.
ويخلص الكتاب إلى أن النجاح الحقيقي ليس في تحقيق نتائج سريعة، بل في بناء تأثير طويل الأمد. فالقادة الذين يعرفون لماذا يقفون حيث يقفون، ويستطيعون التعبير عن ذلك بصدق، يخلقون حولهم دوائر من الثقة والولاء تتجاوز الأزمات والتحديات. ولهذا، ظل Start With Why حاضرًا في النقاشات العالمية حول القيادة، وريادة الأعمال، وبناء العلامات المؤثرة، باعتباره دعوة للعودة إلى الأصل: المعنى قبل الوسيلة، والغاية قبل النتيجة.
