آخر الأخبار

مصير الصحفي إلى أين ؟

كتب – حسام الدين كرنديس

مصير الصحفي السوداني لم يعد سؤالا نظريا بل واقعا يوميا يعيشه كل من اختار هذه المهنة خارج دوائر العلاقات والمصالح ، انا لا نتحدث عن صحافة كحلم او رسالة بعيدة ، لكن عن مهنة واقعة في منطقة رمادية، لا تحميها دولة ولا تصونها مؤسسات ولا ينظمها كيان مهني حقيقي ولا تحترمها اغلب الجهات التي يفترض أنها شريكة في العمل الإعلامي.

الصحفي في السودان يعمل داخل مؤسسات متهالكة اداريا ومعدمة ماديا ، مؤسسات لا تملك خطة ولا رؤية ولا استقرار وتدار في الغالب بالمزاج والعلاقات الخاصة، لا بمنطق المهنية .
اغلب الصحف او المواقع لا تبحث عن الكفاءة بل عن من يقبل بالقليل او من لا يسأل عن حقه او من لديه علاقات نافذة او من يمكن استخدامه كدرع لأشخاص و مؤسسات لحماية مصالحهم ، يتم الاستغناء عن الصحفي باتصال هاتفي او رسالة واتساب.

الرواتب قبل الحرب كانت ضعيفة الى حد محرج مرتب لا يغطي مواصلات ولا انترنت ولا حتى كرامة مهنية.
لذلك اضطر كثير من الصحفيين للعمل في أكثر من مؤسسة في وقت واحد ، او الجمع بين الصحافة ووظائف اخرى لا علاقة لها بالمهنة ليصرف على هذه المهنة.
بعد الحرب لم يعد هناك حتى هذا الحد الادنى ، اصبح العمل الصحفي في كثير من الحالات بلا مقابل، او مقابل رمزي، و مقابل وعود مؤجلة و كاذبة.

بيئة العمل نفسها طاردة ، لا مكاتب مجهزة لا تدريب لا تأمين صحي لا عقود مكتوبة لا توصيف وظيفي، التعيين شفهي والاستغناء شفهي، ومن غير حقوق .
الصحفي يعمل وهو يعلم أنه يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة دون سبب ودون مساءلة ودون جهة يلجأ إليها.

اما التعاون من الجهات الحكومية والخاصة فهو قصة اخرى من التمييز الواضح.
المؤسسات والمسؤولون لا يتعاملون مع الصحفي بصفته المهنية بل بصفته الشخصية، يفضلون صحفيين بعينهم لا لتميزهم المهني بل لان بينهم علاقات خاصة، او مصالح مشتركة او انتماء لنفس (الشلة)، و لانهم يقدمون تغطية و تضليل عن الحقيقة.

هناك فئة من الصحفيين اصبحوا مرافقين دائمين للمسؤولين، يسافرون معهم يحضرون فعالياتهم يحصلون على امتيازات، مقابل تسليط الضوء عليهم وتلميع صورتهم، و الحقيقية . هؤلاء هم المفضلون دائما وهم الذين تفتح لهم الابواب، بينما يغلق الباب في وجه الصحفي الحر الذي يعكس الحقائق.

الصحفي الحر الذي لا ينتمي لحزب ولا كيان ولا شلة ولا يقبض ظروف هو الأكثر معاناة ، هذا الصحفي لا يجد مؤسسة تحميه، ولا جهة توظفه ولا مصدرا يتعاون معه ولا كيانا يدافع عنه ، يظل معلقا بين البطالة والاستغلال بين العزلة والتهميش و الصمت القسري اوالكلام الذي يكلفه أكثر مما يحتمل.

الشلليات (صاحبي وصاحبك، زولي و زولك) أصبحت هي النظام غير المعلن لإدارة المشهد الإعلامي.
علاقات مع سياسيين، عسكريين، رجال أعمال، نافذين.
هذه العلاقات أضرت بالمصداقية والشفافية، وهما جوهر العمل الصحفي.
بعد الحرب زاد هذا الخلل وأصبح أكثر فظاعة، واكثر وضوحا.

الكيانات المفترض انها ترعى الصحفيين، إتحاد الصحفيين والنقابة، تعيشا حالة ضعف مزمن. لا موارد لا فاعلية و لا حضور حقيقي، أحدهما يدار بعلاقته بالحكومة، ودعمه محدود ويذهب لقلة. الاخر يدار بدعم من جهات خارجية، ويستفيد منه القائمون عليه و الناشطين أكثر من للصحفيين. بين هذا وذاك، يضيع الصحفي النزيه.

حتى اجهزة الدولة نفسها لم تعد تتعامل اعلاميا مع المؤسسات الرسمية، لم تعد وكالة الأنباء الرسمية هي المصدر ولا قناة الدولة ولا وزارة الإعلام، أصبحت مصادر الاخبار شخصيات لا تمت للإعلام بصلة مهنية. (ناشطات) لا يعرف أحد ما هو نشاطهم، يملكن علاقات وصفحات، وحضورا اجتماعيا، فيتم التعامل معهن كمرجع اعلامي.

هذا الانحدار ليس تفصيلا صغيرا بل مؤشر خطير على تدهور الدولة نفسها. حين يصبح الإعلام لعبة علاقات وتهمش المهنية وتكافأ الرداءة.

الصحف والمواقع لا تهتم بمن يجيد المهنة او يحمل مؤهلا اكاديميا وخبرة حقيقية، كل ما يهمها هو من يقبل بأجر ضعيف دون مطالب دون حقوق. لا تأمين لا استقرار لا احترام. وحين يختلف الصحفي مع الادارة ينتهي كل شيء في لحظة.

القيد الصحفي نفسه أصبح بلا قيمة. اي تخصص يمكن ان يصبح صحفيا، طبيب، مهندس، فنان، أي شخص يمتحن القيد يصبح صحفيا، لا توجد معايير صارمة، لكن الواقع أن الباب مفتوح بلا ضوابط. كل ناشط على وسائل التواصل كل عاطل عن العمل يمكن أن يقدم نفسه كصحفي.
السؤال البسيط : لماذا اذا كليات الصحافة والإعلام؟
و لماذا الدراسة والتدريب اذا كانت المهنة مفتوحة للغاشي و الماشي؟

النتيجة الطبيعية لكل هذا أن كثيرين من خريجي الصحافة والإعلام تركوا المهنة هربوا منها لا كرها فيها، بل هربا من واقعها ، مهنة مرهقة، بلا مقابل، بلا حماية، بلا مستقبل واضح.

المفارقة المؤلمة أن الصحفيين غالبا ما يناصرون قضايا المظلومين في كل القطاعات، لكن نادرا ما يكتبون عن مظلومية مهنتهم. ربما خوفا من ضياع هيبة المهنة، ربما يأسوا من الجهات القائمة على امرها، وربما لأن الكلام عن المهنة أصبح غير مفيد.

السؤال الآن لم يعد سؤالا هادئا.
مصير الصحفي إلى أين؟
هل هناك ما هو أسوأ من هذا؟
هل تتدارك الجهات المعنية هذا الانهيار؟
ام تتحول الصحافة نهائيا الى مهنة للمتملقين و الارزقية و الهاوين؟
هل اصبح شرط البقاء في المهنة هو المصلحة الشخصية لا المهنية؟
وهل يمكن لصحافة بلا حماية أن تحمي المجتمع؟
وهل ما زال هناك متسع لاحترام هذه المهنة ام اننا نشهد نهايتها البطيئة؟

اسئلة كثيرة معلقة… واجابات غائبة… وواقع لا يحتاج الى شرح اكثر مما يحتاج إلى نزاهة.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب