العلم والنشيد رمزان ثابتان في زمن الاهتزاز
أخبار سودان إكسبريس
العلم والنشيد رمزان ثابتان في زمن الاهتزاز
بقلم – حسام الدين كرنديس
خلال الأيام الماضية دارت أحاديث كثيرة تم تداولها عن تغيير علم السودان والرجوع للعلم القديم بالألوان الباهتة، وأيضا عن تغيير كلمات النشيد الوطني التي أحبها جدا وأرى أنها كلمات قوية تدعو للوقوف خلف الوطن بعيدا عن تمجيد الأشخاص من رؤساء وزعماء أو ملوك، بالعكس فهي تمجد الانتماء للأرض والوطن والوقوف معه في أحلك الظروف، وكذلك اللحن المميز الذي ارتبطنا به على مدى عقود.
تحدث السيد رئيس مجلس السيادة القائد عبد الفتاح البرهان في هذا الموضوع، وبعض صفحات السوشيال ميديا اشتعلت بين مؤيد ورافض. المعروف أن علم السودان الحالي أُعتمد في عشرين مايو عام ألف وتسعمائة وسبعين، وذلك بعد أن قررت حكومة الرئيس جعفر نميري اختيار علم جديد، حيث أنشأت مسابقة عامة مفتوحة للمواطنين شارك فيها فنانون تشكيليون ووزراء وأغلب فئات الشعب، وفاز التصميم الذي قدمه الفنان عبد الرحمن أحمد الجعلي من ضمن اثنين وسبعين نموذجا تأهلت للفرز الأخير من قبل لجنة شكلت خصيصا لهذا الغرض، ونال التصميم الفائز مبلغ عشرة جنيهات سودانية كجائزة.
وقد رفع هذا العلم لأول مرة في عشرين مايو عام ألف وتسعمائة وسبعين، أيام احتفالات البلاد بالذكرى السنوية الثانية لثورة مايو التي جاءت بجعفر محمد نميري إلى الحكم. المعروف أن عبد الرحمن أحمد الجعلي تخرج عام ألف وتسعمائة وسبعين من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية التابعة لمعهد الخرطوم الفني (جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا) حاليا بالخرطوم، قسم الجرافيك، وهو حاصل على درجة الماجستير في تصميم المعارض، وعمل بوزارة الإعلام السودانية، وكان أول مدير لمعرض الخرطوم الدولي عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين.
تم تفسير الألوان الأربعة للعلم على النحو التالي: اللون الأحمر يرمز لدماء شهداء الوطن، واللون الأبيض يرمز لنقاء السريرة ونبل الطباع وصفاء النية والوفاء، وهو أيضا لون السلام والوئام، واللون الأسود هو اللون الذي اشتق منه اسم بلاد السودان ويجسد الشجاعة والاعتزاز بالوطن والتراث، ويرمز أيضا للانتماء إلى القارة السمراء، ويجسد اللون الأخضر نماء البلاد وثرواتها الطبيعية ومواردها الأساسية التي جعلت منها سلة غذاء العالم.
ورغم الدلالات الوطنية التي أعطيت لألوانه الأربعة فهو أيضا يتبع الاتجاه العام لرموز القومية العربية، ففيه اللون الأخضر الوارد من رايات النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما هو متعارف عليه في رموز القومية العربية، كما يحتوي على باقي الألوان الأربعة الأحمر والأبيض والأسود والأخضر، وهي ألوان تجدها في أعلام دول مثل مصر والعراق وسوريا واليمن والأردن وفلسطين.
وهذه الألوان لها دلالات كبيرة في التاريخ العربي والإسلامي، وقد جمعها الشاعر العربي صفي الدين الحلي في بيت شعر مشهور قال فيه:
بيض صنائعنا، سود وقائعنا، خضر مرابعنا، حمر مواضينا
ما يعني أن الألوان ليست عشوائية بل وراءها تاريخ طويل وقيم تعبر عن الهوية والأصالة.
علم السودان القديم (علم الاستقلال) صمم بعد ما صوت البرلمان السوداني لصالح الاستقلال، اختار السودان في واحد يناير ألف وتسعمائة وستة وخمسين علمه الأول بطريقة ديمقراطية عبر البرلمان، وكان العلم بسيطا بثلاثة ألوان واضحة الأزرق والأصفر والأخضر مرصوصة أفقيا، الأزرق يرمز للنيل، الأصفر للصحراء، والأخضر للأراضي الزراعية والغابات، وكانت الألوان محايدة ولا تحمل خلفيات سياسية، لذلك لم يكن هناك خلاف حولها وقتها، وكل التيارات السياسية كانت متفقة عليها.
الجميل أيضا أن التصميم كان من فنانة سودانية هي السريرة مكي الصوفي التي اختزلت روح البلد في ثلاثة عناصر: النيل والصحراء والسهول الخضراء، وبعد انتفاضة أبريل تم النقاش حول إمكانية الرجوع للعلم القديم، لكن ذلك لم يتم لأن دولة الغابون كانت تملك علما مشابها.
العلم الحالي حسب تقديري أكثر ملاءمة، أجمل، وألوانه زاهية ومريحة للعين، على عكس العلم القديم الذي بدت ألوانه باهتة وغير جذابة.
ورغم أن شكل العلم له أهميته إلا أن الأهم هو بناء الدولة ووضع دستور قوي وقانون عادل ينفذ على القوي والضعيف وينصف الجميع دون تمييز ودون استهداف ودون تصفية حسابات.
النشيد الوطني السوداني اختيرت قصيدة نحن جند الله جند الوطن من ضمن قصائد أخرى شاركت في مسابقة عامة حول أعمال شعرية تشيد بقوة دفاع السودان (نواة الجيش السوداني) عند تأسيسها عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين، وعندما نال السودان استقلاله عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين اختيرت الأبيات الأربعة الأولى من القصيدة لتكون نشيدا وطنيا، والقصيدة من تأليف الشاعر أحمد محمد صالح وتلحين الموسيقار العقيد أحمد مرجان من سلاح الموسيقى عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين، ويطلق عليه رسميا اسم السلام الجمهوري خاصة عند عزفه موسيقيا، كما يسمى اختصارا نشيد العلم أو تحية العلم.
نحن جند الله جند الوطن
إن دعا داعي الفداء لم نخن
نتحدى الموت عند المحن
نشتري المجد بأغلى ثمن
هذه الأرض لنا
فليعش سوداننا علما بين الأمم
يا بني السودان هذا رمزكم
يحمل العبء ويحمي أرضكم
وقد حاز لحن السلام الجمهوري السوداني على جائزة أفضل لحن للأناشيد الوطنية حسب الجمعية العالمية للموسيقى عام ألفين وأربعة.
آخر الكلام
تغيير النشيد الوطني وشكل العلم أشياء غير منطقية، فألوان العلم جميلة وتمثل ثقافتنا وانتماءنا لهذه الأرض بثقافتها الأفرو عربية، وكذلك كلمات نشيدنا الوطني ولحنه الجميل تشكل ارتباطنا القوي بسوداننا.
الأفضل أن نغير ما بأنفسنا ونحب الوطن ونحب لغتنا ولهجاتنا المختلفة ونقبل بتعددنا واختلاف سحناتنا وأشكالنا وألواننا، ونحب العمل والاجتهاد والكسب الحلال واحترام القانون، بدلا من حب الواسطة (وشغل قريبي وقريبك)، وتجاوز القانون، والمضاربات بالعملات، ووسائل الكسب السريع التي دمرت البلد، وسوء الإدارة في شتى المجالات، وعدم المهنية، وعدم الالتزام بالقيم الوطنية.
تغيير العلم والنشيد لن يدير دولة ولن يبني مستقبلا ولن يصلح الأخطاء، علينا أن نغير ما بأنفسنا أولا قبل تغيير العلم والنشيد.
