من هو جو بايدن الذي يوشك على دخول البيت الأبيض؟

بي بي سي – وكالات

يتصاعد التنافس في السباق للفوز بالرئاسة الأمريكية بين المرشح الديمقراطي جو بايدن والرئيس الأمريكي الحالي الجمهوري دونالد ترامب 

وكان بايدن قد حصل في أغسطس الماضي على ترشيح الحزب الديمقراطي رسميا لتمثيله في سباق  الانتخابات، بعد تصويت غالبية المندوبين الديمقراطيين في مؤتمر الحزب الوطني العام الذي جرت وقائعة افتراضيا بسبب تفشي فيروس كورونا.

ويعرف بايدن بأنه سياسي ديمقراطي مخضرم، له حضوره في السياسة الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي، كما عمل نائبا للرئيس إبان حكم الرئيس السابق باراك أوباما للفترة من 2009 إلى 2017.

ويرى بيتر بول في هذا المقال الذي كتبه عن مجمل مسيرته المهنية أنه الرجل الذي قد يحول دون بقاء دونالد ترامب في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات اخرى.

بالنسبة إلى مؤيديه هو خبير في السياسة الخارجية وصاحب عقود من الخبرة في واشنطن وهو متحدث مقتدر صاحب لسان فصيح بمقدوره الوصول إلى الناس العاديين ورجل واجه بشجاعة مآس شخصية كبيرة عديدة.

بالنسبة لمناوئيه هو ابن مؤسسة الحكم في واشنطن وصاحب زلات لا تصدق (لديه أيضاً ميل غريب إلى شم شعر النساء) فهل يملك ما يلزم لطرد ترامب من البيت الأبيض؟

بايدن ليس غريباً عن الحملة الانتخابية، فقد بدأت مسيرته المهنية في واشنطن في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1973 (قبل 47 عاماً) وقاد أول حملة لانتخابات الرئاسة في عام 1987 (قبل 33 عاماً).

يملك القدرة على جذب الناخبين والاقتراب من قنبلة موقوتة قابلة للانفجار ليقف على بعد جملة واحدة من كارثة.

كرر خلال التجمعات الانتخابية قوله: “كان أسلافي يعملون في مناجم الفحم في شمال شرق ولاية بنسلفانيا” وأنه غاضب لأنهم لم يحصلوا على الفرص التي يستحقونها في الحياة.

لم يكن أي من أسلافه من عمال مناجم الفحم فقد سرق هذه المقولة والعديدة غيرها من خطابات السياسي البريطاني العمالي نيل كينوك الذي كان أقاربه عمال مناجم فعلاً. وكانت تلك مجرد واحدة من بين العديد مما بات يعرف باسم “قنابل جو“.

وقال عام 2012 أمام حشد كبير متفاخراً بتجربته السياسية: “يمكنني القول أنني عرفت ثمانية رؤساء، ثلاثة بشكل حميمي” مما فهم من هذا الكلام أنه مارس الجنس معهم بدلاً من كونهم مجرد أصدقاء مقربين.

وبصفته نائباً للرئيس أوباما في عام 2009 أثار الفزع لدى الناس عندما قال هناك “احتمالا بنسبة 30 في المائة أننا سنخطئ في تعاملنا مع المسألة الاقتصادية“.

وربما كان محظوطاً لأنه تم اختياره ليكون نائباً لأول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة رغم أنه وصفه بأنه “أول أميركي أفريقي طليق اللسان ولامع ونظيف ووسيم“.

ورغم ذلك يحظى بايدن بشعبية كبيرة بين الناخبين السود خلال حملة الانتخابات الرئاسية الحالية ولكن في الآونة الأخيرة ظهر في برنامج محادثة في ضيافة مذيع اسود وتطور الحديث وكاد أن يقع في ورطة كبيرة بعد أن ادعى: “إذا كانت لديك مشكلة في معرفة فيما اذا كنت ستصوت لي أم لترامب ، فأنت لست أسود “.

أثارت هذه الجملة عاصفة إعلامية اجبرت فريق مستشاريه على محاولة التقليل من فكرة أن حصوله على أصوات الأمريكيين من أصل أفريقي أمر مسلم به.

من السهل أن ترى لماذا كتب صحفي في مجلة نيويورك العام الماضي أن “الكلام الذي يتحدث به بايدن دون أن يفكر مليا بما يقوله بات الشغل الشاغل لفريق حملته بأكمله ويركز على تجنبه بأي ثمن“.

ولكن هناك جانب آخر لمهاراته الخطابية في عالم يضم الكثير من الساسة الآليين الذين يتكلمون كما يملى عليهم. بايدن هو شخص حقيقي يتكلم بما هو مؤمن به.

ويقول إن التلعثم الذي كان يعاني منه في مرحلة الطفولة جعله يكره القراءة من جهاز عرض الخطابات المعد سلفاً وبدلاً من ذلك يفضل أن يتحدث من القلب.

بايدن قادر على اثارة مشاعر تجمع من العمال ذوي الياقات الزرقاء عبر خطاب مباشر وتلقائي وبعدها يختلط بالحشد فيصافح ويربت على الظهور ويلتقط صور شخصية مثل نجم روك بشعر فضي.

 

وقال وزير الخارجية الأمريكي السابق والمرشح الرئاسي جون كيري لمجلة نيويوركر: “إنه يجذبهم ويحتضنهم معنوياً وجسدياً أحياناً”. “إنه سياسي قريب من القلب وكل ذلك حقيقي وبلا تمثيل أو تصنع”. ولكن كيف بات يشعر باللمس فعلاً أصبح مصدر متاعب ومشاكل لبايدن”.

تقدمت ثمان سيدات العام الماضي واتهمن بايدن باللمس أو المعانقة أوالتقبيل غير اللائق، وقامت القنوات الإخبارية الأمريكية بنشر مقاطع عن طريقته الشخصية اللصيقة في تحية النساء في المناسبات العامة والتي يبدو أنها تتضمن أحياناً شم شعرهن. ورداً على ذلك، تعهد بايدن بأن يكون “أكثر حرصاً” في تعاملاته مع الآخرين.

ورغم ذلك في مارس  الماضي زعمت تارا ريد أنه أسند ظهرها إلى الحائط واعتدى عليها جنسياً قبل 30 عاماً عندما ونفى بايدن هذا الاتهام وأصدرت حملته بياناً قالت فيه: “لم يحدث هذا على الإطلاق“.

سوف يشير الديموقراطيون الذين يدافعون عن مرشحهم الرئاسي إلى أن أكثر من اثنتي عشرة امرأة اتهمن علناً الرئيس ترامب بالقيام بإعتداءات جنسية مختلفة عليهن. ولكن هل يمكن تحويل هذه المسألة المهمة الى مجرد لعبة أرقام؟

منذ ظهور حركة #MeToo يصر الديمقراطيون بمن فيهم بايدن على أن المجتمع يجب أن يصدق النساء وأي محاولة للتهوين من الادعاءات ضده ستترك العديد من النشطاء غير مرتاحين للغاية.

وقالت ريد في مقابلة تلفزيونية حديثة: “لقد كان وكيله يقول أشياء مروعة عني وعبر وسائل التواصل الاجتماعي“.

لم يكن هو نفسه الذي يقوم بذلك. هناك قدر من النفاق لدى القائمين على حملته عندما يقولون إن الحملة آمنة، لا إنها ليست آمنة”. وقد رفضت حملة بايدن هذا الادعاء.

على الرغم من أن الأمر بات في طيات الماضي لكن أنصاره يأملون أن أسلوبه الأقل تكلفاً والأقرب الى الناس العاديين سوف يمنعه من الوقوع في الفخ نفسه مثل العديد من المرشحين الديمقراطيين السابقين للرئاسة.

فهو صاحب خبرة كبيرة في العمل السياسي في العاصمة، أمضى فيها ثلاثة عقود عضواً في مجلس الشيوخ وثماني سنوات كنائب للرئيس أوباما، لكن هذا النوع من السيرة الذاتية الطويلة غير مفيدة دائماً.

ليس من السهل ان يدعي بايدن أنه يحمل لواء التغيير لأنه منذ ما يقارب من نصف قرن في أروقة السلطة في واشنطن

أكثر من مرة أثبت الناخبون الأمريكيون أنهم يصوتون للمرشحين الذين يدعون أنهم ليسوا من افراد مؤسسة الحكم في واشنطن لكنهم يريدون الوصول إلى البيت الأبيض لتغيير المؤسسة السياسية.

وهذا أمر يكاد يكون من المستحيل على بايدن إدعاءه بعد قضاء ما يقرب من خمسين عاماً في اروقة السياسة في واشنطن، بل يمكن استخدام هذا السجل الطويل ضده.

خاض بايدن غمار اول سباق رئاسي عام 1987

لقد شارك بايدن في اتخاذ قرارات وكانت له مواقف بشأن كل حدث رئيسي خلال العقود القليلة الماضية وقد لا تبدو هذه القرارات محبذة كثيراً في المناخ السياسي الحالي.

في سبعينيات القرن الماضي انحاز بايدن إلى رافضي الاختلاط في الولايات الجنوبية في معارضة نقل الأطفال البيض والسود في حافلات مشتركة من أجل الاسراع في الاندماج بين البيض والسود في المدارس العامة. وقد استخدم هذا الموقف مرارا ضده خلال هذه الحملة.

يحب الجمهوريون الإشارة إلى موقف وزير الدفاع في إدارة الرئيس أوباما روبرت غيتس من بايدن إذا وصفه بقوله: “من المستحيل ألا يحب المرء بايدن، ولكنه كان “مخطئاً في كل قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي الرئيسية تقريباً على مدار العقود الأربعة الماضية“.

وعلى بايدن توقع سماع هذا الموقف مرارا خلال الحملة الانتخابية.

للأسف أحد الأسباب التي تجعل بايدن يبدو أقل بعداً عنا مقارنة بغيره من الساسة أنه مر بالتجربة الوحيدة التي تؤثر علينا جميعاً ألا وهو الموت.

فبينما كان يستعد لأداء اليمين الدستورية بعد وقت قصير من فوزه بأول انتخابات لمجلس الشيوخ توفيت زوجته نيليا وابنته نعومي في حادث سير إضافة إلى إصابة ولديه بو وهانتر.

عمل ابن بايدن الراحل بو جنديا في الجيش الأمريكي في العراق وتولى منصب المدعي العام في ديلاوير

توفي بو لاحقاً بسبب ورم سرطاني في المخ في عام 2015 عن 46 سنة. إن فقدان بايدن للكثيرين من المقربين منه عندما كانوا في سن مبكرة جعله قريبا من العديد من الأمريكيين إذ أكد ذلك أنه على الرغم من مكانته السياسية وثرائه فإنه واجه مآسي مثل غيره من الامريكيين العاديين. لكن بعض جوانب حياته العائلية مختلفة تماما فيما يتعلق بابنه هانتر.

أصبح هانتر محامياً ويدير جماعة ضغط قبل أن تخرج حياته الشخصية عن سيطرته. أشارت زوجته الأولى إلى تعاطيه المخدرات والكحول ونوادي التعري في أوراق الطلاق، وتم طرده من قوات الاحتياط في البحرية الأمريكية بعد أن كشفت الاختبارات تعاطيه للكوكائين.

واعترف هانتر لمجلة نيويوركر أنه حصل على حجر ألماس من أحدة كبار رجل أعمال صيني متنفذ يعمل في مجال الطاقة والذي تم التحقيق معه لاحقاً من قبل سلطات بكين بتهم الفساد.

جمع هانتر بين طريقة حياة شخصية علنية صاخبة ومليئة بالأحداث من جهة (في العام الماضي تزوج من زوجته الثانية بعد أسبوع واحد من مقابلتها) وكسب مبالغ كبيرة من المال من جهة أخرى وهو ما جعل والده مادة لعناوين أخبار سلبية.

قد يتعاطف العديد من الأمريكيين مع شخص يعاني من مشاكل الإدمان على المخدرات لكن توليه رغم ذلك وظائف تدر عليه مبالغ طائلة يؤكد مدى اختلاف فرص الحياة بالنسبة لأبناء النخبة السياسية أمثال بايدن مقارنة مع الاناس العاديين..

من بين الأعمال المجزية التي تولاها هانتر كان عمله في أوكرانيا الأمر الذي شجع الرئيس ترامب على الطلب من رئيس اوكرانيا البلاد التحقيق في عمل هانتر هناك بشبهة فساد.

أدت المكالمة الهاتفية بين ترامب ونظيره الأوكراني إلى مساءلة ترامب من قبل مجلس الشيوخ لكن محاولة عزله باءت بالفشل بسبب الاغلبية التي يتمتع بها الجمهوريون في مجلس الشيوخ، وكانت مناورة سياسية ما كان بايدن يرغب بالتورط فيها.

إذا ثبت تورط بايدن في أي فضيحة خارجية سيكونذلك مدمراً لفرص فوزه في الانتخابات لأن إحدى نقاط قوته هي خبرته الدبلوماسية. وقد كان سابقاً رئيساً للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وتفاخر بأنه “التقى بكل زعيم دولي كبير في السنوات الـ 45 الماضية“.

في حين أن هذا يطمئن الناخبين بأنه يمتلك خبرة ليصبح رئيساً لكن من الصعب التنبؤ بمدى أهمية هذه الخبرة في استمالة الناخبين. مثل الكثير من سياساته يمكن وصفه بأنه معتدل في توجهاته الخارجية.

صوت ضد حرب الخليج عام 1991 ثم لصالح غزو العراق عام 2003 لكنه أصبح لاحقاً من كبار منتقدي تورط بلاده في غزو العراق.

وبطبيعة الحال نصح أوباما بعدم شن عملية القوات الخاصة التي قتلت أسامة بن لادن في باكستان.

ومن المفارقات أن زعيم القاعدة لم يفكر كثيراً في بايدن. وكشفت الوثائق التي حصلت عليها وكالة المخابرات المركزية من مخبأ بن لادن وأفرجت عنها أن الأخير أمر أنصاره باستهداف أوباما وليس نائب الرئيس آنذاك لأنه كان يعتقد أن “بايدن غير مناسب تماماً لهذا المنصب وسيقود الولايات المتحدة إلى أزمة لو وصل إلى الرئاسة “.

لا تروق العديد من وجهات نظر بايدن كثيراً للناشطين الشباب في الحزب الديمقراطي الذين يفضلون الآراء المناهضة بشدة للحرب لأمثال بيرني ساندرز أو إليزابيث وارن لكنه مسالم أكثر من اللازم بالنسبة للعديد من الأمريكيين الذين هللوا لخطوة ترامب الامر بتصفية الجنرال قاسم سليماني في غارة بطائرة بدون طيار اوائل هذا العام.

الكثير من برنامجه السياسي يسير على نفس المنوال وليس من المرجح أن يثير حماسة اغلبية الناشطين الديمقراطيين لكنه معتدل بما فيه الكفاية كما يأمل للوصول إلى الناخبين الذين لم يقرروا بعد لمن سيصوتون.

سواء فاز أو خسر بايدن الانتخابات سيكون ذلك نهاية مسيرته السياسية الحافلة

إذا فاز بايدن فستكون تتويجاً لمسيرة سياسية طويلة ومليئة بالأحداث وإذا خسر فسوف يمنح أربع سنوات أخرى لرجل يعتقد أنه “غير مؤهل بتاتاً ليكون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية”، لشخص “غير جدير بالثقة” ببساطة.

قال بايدن قبل بضع سنوات عندما كان يفكر بدخول السباق الرئاسي عام 2016: “يمكنني أن أموت سعيداً دون أن أكون رئيساً” لكن ذلك لم يعد ممكنا بعد الآن.

لا تنسخ! شارك الرابط بدلا عن ذلك