حوار مع حمدوك: إفاداته عن سد النهضة والتطبيع وقضايا أخرى

أجرت «الشروق المصريَّة» حواراً مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك  تناول موضوعات متعددة محلية واقليمية..
منذ شهر أغسطس عام 2019، تولى الدكتور عبدالله حمدوك رئاسة الحكومة الانتقالية في دولة السودان، عقب سنوات أمضاها مسئولا دوليا في العديد من كبرى المنظمات الدولية، وأبرزها «الأمم المتحدة»، ولكنه لم يعد إلى بلاده إلا عقب سقوط نظام عمر البشير.
ومن اللحظة الأولى تولى حمدوك مهمته الثقيلة خلال المرحلة الانتقالية بتوافق شعبي ورسمي ودولي عليه، ولكن منذ لحظة تعيينه وجد نفسه والحكومة بأكملها أمام تلال من الأزمات الموروثة التي تسبب فيها نظام البشير وكانت أهم أسباب قيام ثورة ديسمبر التي كان أشهر شعاراتها «حرية، سلام، وعدالة».
التحديات الثقيلة والرهانات الصعبة كانت محور الحوار الذى أجرته «الشروق» مع الدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء السوداني، وهو الأول له مع صحيفة مصرية في أعقاب توقيع اتفاق «سلام جوبا».
سألنا الدكتور حمدوك عن أولويات حكومته خلال الفترة الراهنة عقب التوقيع على اتفاق السلام السوداني، فأجاب أن «السلام» يُعد أبرز أولويات الحكومة، ومن ثم هناك تركيز وحرص من جانبنا بشأن عملية السلام.
وخلال الحوار أكد الدكتور حمدوك أن هناك قضايا مهمة للغاية يجب توضيحها، وأبرزها «تمويل عملية السلام، والعمل على إعادة النازحين واللاجئين»، فضلا عن تهيئة البيئة المناسبة لمساعدتهم في العودة والإنتاج وتحقيق الأمن والحماية.
وعن تحدى تمويل اتفاق السلام، أوضح رئيس الوزراء السوداني أن بلاده تحتاج إلى ما يقرب من 7.5 مليار دولار خلال 10 سنوات، بما يُعادل 750 مليون دولار سنويا لتمويل استحقاقات السلام بما في ذلك تنمية المناطق المتأثرة بالحرب.
وبشأن قرار الولايات المتحدة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أكد أنه يُعد مكسبا كبيرا للبلاد، فهو بداية خروجنا من العزلة التي فُرضت علينا طوال 30 عاما، والمؤكد نحن شعب السودان لم نتورط في الإرهاب، لكن سياسات النظام السابقة هي التي تسببت في ذلك.
وخلال الحديث عن العلاقات الثنائية بين القاهرة والخرطوم، أشار الدكتور حمدوك إلى أن العلاقات مع الأشقاء في مصر لها خصوصيتها لاعتبارات التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة بين شعبي البلدين، وقد قطعنا شوطا كبيرا في التعاون.
وبسؤاله عن تطورات قضية «سد النهضة»، قال «موقفنا واضح بشأن قضية سد النهضة، نحن مع الحوار لحل الخلافات والتوصل لاتفاق يمنح الدول الثلاث حق الاستفادة من الأنهار والمياه كحق طبيعي، ولقد اتفقنا على ٩٠٪ من القضايا المطروحة وما تبقى يحتاج إلى حوار وقرارات سياسية، ونحن على ثقة في حل ما تبقى من خلافات»، وإلى نص الحوار الذى جرى قبل أيام في العاصمة «الخرطوم».
● كيف ترى الأولويات التي تواجه الدولة السودانية عقب توقيع اتفاق سلام جوبا؟
ــ «السلام» هو أولويتنا في الحكومة الانتقالية كما يُعد أبرز شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، ومن ثم هناك تركيز وحرص من جانبنا بشأن عملية السلام.
وتبدأ عملية السلام بانضمام شركاء السلام في مجلسي السيادة والوزراء، ثم الشروع في تشكيل مؤسسات السلام كـ «المفوضيات» المعنية، هذا بالإضافة إلى أن قضايا مهمة للغاية وأبرزها «تمويل عملية السلام، والعمل على إعادة النازحين واللاجئين»، فضلا عن تهيئة البيئة المناسبة لمساعدتهم في العودة والإنتاج وتحقيق الأمن والحماية.
● السودان يحتاج إلى دعم ضخم ليتسنى له تمويل تنفيذ اتفاق السلام لاسيما فيما يتعلق ببند الترتيبات الأمنية.. فماذا عن الترتيبات الخاصة بشأن عقد مؤتمر المانحين؟
ــ تمويل اتفاق السلام هو أحد أسس تنفيذه لإعادة دمج وتسريح المحاربين القدامى إما عبر الدمج في القوات النظامية أو الحياة المدنية وفقا لطبيعة كل حالة، فضلا عن احتياجات تمويل عودة النازحين واللاجئين من مناطقهم بسبب الحرب، وأعدادهم تُقدر بالملايين، ومن ثم نحتاج إلى ما يقرب من 7.5 مليار دولار خلال 10 سنوات، بما يُعادل 750 مليون دولار سنويا لتمويل استحقاقات السلام بما في ذلك تنمية المناطق المتأثرة بالحرب.
وهناك اتصالات ومبادرات من أصدقاء وشركاء لدعم عملية السلام، وقد استضافت الشقيقة المملكة العربية السعودية مؤتمرا لذلك في شهر أغسطس الماضي، برئاسة وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، وبمشاركة ٢٥ دولة ومنظمة، بهدف «مناقشة السلام، اعادة الإعمار، بناء جيش وطني، وتقديم الدعم الفني والسياسي»، ولذلك أجدد الشكر لكل من بذل معنا جهدا في التوصل لاتفاق السلام.
● قرار الولايات المتحدة بشأن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب هو بلا شك مؤشر قوى على تحسن العلاقات «الأمريكية ــ السودانية» التي شهدت تدهورا كبيرا في عهد النظام السابق. كيف يُمكن للسودان أن يستثمر هذا القرار سياسيا واقتصاديا بهدف الخروج من العزلة التي فرضت عليه بسبب ممارسات نظام البشير.. ودفع جهود التنمية بالبلاد؟
ــ قرار الولايات المتحدة الأمريكية بشأن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، يُعد مكسبا كبيرا للبلاد، فهو بداية خروجنا من العزلة التي فُرضت علينا طوال 30 عاما، والمؤكد نحن شعب السودان لم نتورط في الإرهاب، لكن سياسات النظام السابقة هي التي تسببت في ذلك.
وعودتنا للمجتمع الدولي تعنى خلق فرص سياسية للتعاون مع جميع دول العالم، وعلى المستوى الاقتصادي تعنى اندماج اقتصاد السودان في النظام الاقتصادي العالمي ومؤسساته ومصارفه، وهذا يُمهد الطريق لاستقبال استثمارات ورؤوس الأموال، وسوف نعمل على الاستفادة من الانفتاح على العالم بجذب الاستثمارات، وبناء شراكات اقتصادية.
وفى السياق ذاته، سوف يمنحنا الاندماج مع العالم للاستفادة أكاديميا بتطوير الجامعات والبحث العلمي والوصول للتكنولوجية الحديثة، وهو ما كنا نعانى منه، كما سيعمل هذا القرار على إعفاء ديون السودان التي تبلغ أكثر من ٦٠ مليار دولار.
● اتفاق التطبيع أو الصلح المقرر توقيعه مع إسرائيل، كيف يستطيع السودان تحقيق استفادة ذاتية منه في جهوده نحو التنمية.. وكيف يؤثر على التزامه بالقضية الفلسطينية؟
ــ من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، وميثاق الحرية والتغيير، وأولويات الحكومة الانتقالية، خلق علاقات دولية متوازنة ولذلك مسئوليتنا بناء علاقات مستقلة مع جميع دول العالم والتعاون في مجالات عديدة، وفى الوقت نفسه، تحقيق السلام والأمن الإقليمي والدولي، ونؤكد موقفنا الثابت من القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة.
● كثيرا ما يُوصف السودان بأنه بلد الفرص الضائعة بسبب متوالية الثورات والحكم الديمقراطي ثم الانقلابات العسكرية، مما تسبب في إهدار عقود طويلة كان يمكن خلالها استغلال ثروات البلاد الهائلة بما يعود بالنفع على شعبها.. هل تحمل آفاق النظام الديمقراطي المقبل بشارات تأسيس حكم رشيد في السودان الجديد، ووضع خطط طموح للانطلاق نحو تنمية مستدامة؟
ــ نعم.. لقد عانينا في السودان مما يعرف بالدائرة الجهنمية من التقلب ما بين نظام ديموقراطي إلى نظام عسكري شمولي، ويقيننا أن ثورة ديسمبر المجيدة، تُمثل فرصة كبيرة لكسر تلك الدائرة، والعمل على ترسيخ الديموقراطية، وهذا واضح جدا من تجربتنا الفريدة هذه المرة، لقد ثار شعبنا ثمانية اشهر مستمرة في ظروف قهر حتى انتصر، مع العلم أن العمل الثوري في السودان ظل مستمرا وبكل الوسائل السلمية والعسكرية على مدى ثلاثين عاما.
وهذا الانتصار جاء نتيجة تراكم ووعى كبير كان أبرز أعمدته «النساء، والشباب»، والعالم بأكمله ظل منبهرا من مستوى وعى السيدات السودانيات، وهو ما يجعلنا متفائلين بالمستقبل، والتجربة الراهنة ولدت شراكة ما بين المكونات المدنية والعسكرية وحركات الكفاح المسلح من أجل إنجاح الفترة الانتقالية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لإرساء الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.
والسودان ينعم بموارد ضخمة ومساحات شاسعة صالحة للزراعة تقدر بحوالي ١٧٥ مليون فدان، ولقد قسمنا السودان إلى 5 أحزمة تنموية، وهما «حزام التمازج، الصمغ العربي، الأنهار، المحاصيل النوعية، وحزام الشرق» وتتجاوز تلك الأحزمة التنموية الخمسة التقسيمات الإدارية من أقاليم وولايات، لتُقسم خارطة السودان لموارد طبيعية.
وتقوم فكرة الأحزمة على درس الحزام كمورد طبيعي اقتصادي وتحويله لمشروع قومي مُوحد لتطوير الحزام المعنى في السودان، لاسيما أن الأثر الإيجابي للأحزمة التنموية هو توحيد جهود التنسيق في الولايات، واستغلال الموارد بأفضل طريقة، والتخطيط القومي للمشاريع، لتعزيز التعاون بين الأقاليم، وتُمثل الأحزمة رؤيتنا المتكاملة للمشروع الوطني والذى يقوم على ركيزتين، الأولى هي الركيزة السياسية، والثانية هي الركيزة التنموية، وإذا تمكنا من تحقيق الركيزتين معا سنعبر بالسودان والفترة الانتقالية، كما تُمثل هذه الرؤية أساسا متينا لتنفيذ مشروع نهضوي مستدام يساعد على استدامة «الديمقراطية، السلام والتنمية» في البلاد.
● في سياق الحديث عن ملف السلام… ما هو موقفكم بشأن حركتي «عبدالعزيز الحلو، وعبدالواحد محمد نور» اللذين لم يوقعا على اتفاق السلام، وهل هناك اتصالات لدمجهما في الاتفاق؟
ــ لم تتوقف الاتصالات مع الرفيقين «عبد العزيز الحلو، وعبد الواحد محمد نور» وقد بدأنا ذلك بلقاء «نور» في باريس، و«الحلو» في منطقة كاودا محل رئاسته العسكرية والسياسية، فضلا عن جوبا وأديس أبابا، وستتواصل لأهمية القضايا المطروحة للنقاش معهما وضرورة استكمال السلام. ونؤكد أن ما تحقق في جوبا يُمثل خطوة كبيرة للغاية في طريق السلام، وقد وصل قادة الجبهة الثورية إلى الخرطوم للمشاركة في بناء السلام، كما نؤكد أن تلك الخطوات سوف تكتمل بالاتفاق قريبا مع «الحلو، ونور».
● كيف ترى مسيرة التعاون «المصري ــ السوداني» في الوقت الراهن.. وما هي المشروعات التي يضعها السودان في مقدمة أولويات تعاونه مع مصر لاسيما على الصعيد الاقتصادي؟
ــ العلاقات مع الأشقاء في مصر لها خصوصيتها؛ لاعتبارات التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة بين شعبي البلدين، وقد قطعنا شوطا كبيرا في التعاون، كما بدأنا التعاون في مجالات «الصحة، الكهرباء، والبنية التحتية».
كما وقعنا اتفاقا لبناء خط سكة حديد وتسيير حركة القطارات من مدينة الإسكندرية إلى العاصمة الخرطوم، هذا بالإضافة إلى اتفاق بشأن مشروعات الكهرباء، فضلا عن توافر فرص كبيرة للتعاون في مجال الزراعة والثروة الحيوانية، ونسعى للاستفادة من تجربة مصر في تمديد الطرق وتطوير البنية التحتية، وكذلك في التعليم والبحث العلمي والتدريب.
● ما هو تقييمكم للوضع إزاء ملف سد النهضة والمفاوضات الثلاثية التي يعتريها الجمود تارة والتعثر تارة أخرى.. لاسيما على ضوء مكالمتكم الشهيرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟
ــ موقفنا واضح بشأن قضية سد النهضة، نحن مع الحوار لحل الخلافات والتوصل لاتفاق يمنح الدول الثلاثة حق الاستفادة من الأنهار والمياه كحق طبيعي، ولقد اتفقنا على ٩٠% من القضايا المطروحة وما تبقى يحتاج إلى حوار وقرارات سياسية، ونحن على ثقة في حل ما تبقى من خلافات.
لا تنسخ! شارك الرابط بدلا عن ذلك