موت الحراز …. انقطاع المطر.. ورحيل صلاح الدين الفاضل
أخبار سودان إكسبريس
بقلم: عماد البشرى
لكن يادكتور سلمى دي مابكت شديد؟ …استفهام ممتاز إبتدرت به الزميلة نسرين النمر أولى محاورها معه في سهرة تستحق عليها نسرين ان تأخذ جائزة العام في حوار الأنس المفيد في ليلة عيد ، وكان رده حينها راقياً وعميقاً بأن الإذاعة أدواتها الأولى هي الاحساس ولأنه ملك الإحساس استحق أن يتربع على عرش الإذاعة وأجيال كثيرة ملكاً للجمال فقط لأنه صلاح الدين الفاضل.
يصعب على أي سوداني أو حتى إعلامي أودرامي أن يحدد كيف أو متى التقى صلاح الفاضل ليس جهلاً بالتواريخ أو الأمكنة لكن لأن الرجل كان يملأ كل مساحات الروعة والإبداع في وطني بين الدراما والبرامج وقاعات الدرس .
صلاح الدين الفاضل الذي رحل في صمت يستحق أن تكتب عنه عشرات الكتب فقط احتفاءً بفلسفته الإذاعية (الإذاعة فن الرؤية عبر الأذن) وصلاح مختلف عن كثير من المبدعين الذين أصابتهم لوثة النجومية فهو ابن بلد حقيقي ودود ولطيف وأخ وأب حقيقي يصحح لك حسب موهبتك يقرأ لك فنجان إبداعك كما هو لايخطئ تقديره ويعلم منابع العبير في كل مكان. قابلته في جامعة الخرطوم ولعل من المدهش أنني لم أكن من طلاب قسم الإعلام في الكلية لكني ولحظ عظيم واجتهاد معرفي سابق كنت أعرف قيمة هذا الهرم فاسرع إلى مزاحمة أبناء،دفعتي في قسم الإعلام لأخذ ركنا قريبا في محاضرة البروف صلاح الفاضل ولأفتح عندي منافذ أسئلة وأشواق معرفة أسرار أعمال كثيرة قدمها الرجل ومن أول مداخلة لي عن عمله الرائع الحراز والمطر واستخدامه المبهر للمؤثرات الصوتية وكيفية إتيان مثل هذا العمق الصوتي في خدمة النص ، كانت ردة فعله الأولى الإنصات بحنو أبوي مدهش ومن ثم جاء الإهتمام بما أقول بشكل خاص وكانت دهشته وحسرته معا ًأنني لست طالبا بالقسم.لكنه كان يصر أن سيكون لي شأن وأدعو الله أن تصدق تكهناته.
لايختلف اثنان أن الساعة الخامسة إلا ربع كانت هي محطة الوصول إلى عوالم مبدعين معظمهم رحل ولكن كان قائدهم صلاح الفاضل وهو يشرف أو يخرج المسلسل الإذاعي ولعل من الطرائف المحزنة أنه ورغم رصيد تجاوز السبعين مسلسلاً إذاعيا ً إلا أنه لايتلقى إلا راتب الإذاعة باعتبار أنه موظف للإخراج الإذاعي ومع ذلك كان حب الرجل للدراما واقتفاءه للتميز جعله يتناسى المال ليبنى للناس بيوتاً للحكمة والفرح والإمتاع.
كنت حفياً وانا أزوره برفقة السفير العبيد مروح في بيته وهو يعاني وقتها من الفشل الكلوي ولكن ذاكرته حاضرة ولطفه أكثر تالقاً وكان حديثنا عن الدراما ومشكلاتها وحكايات المؤثرات الصوتية وكيف كان الراحل فاروق سليمان ينتقي أعماله وأحاديث وحكايات وددت لو كانت معاي كاميرا أو مايكرفون لتوثق لهذه الجلسة ، لكن الأقدار أبت لذلك.
رحل البروف ومئات الأقلام لم تنشر حبها له فهو أستاذ كل الإعلاميين وملهم كل المبدعين ورفيق أبناء،المعهد من الدفعة الثانية وأب الدراميين وشاهد على كنوز ورموز الإبداع في المسرح والتلفزيون والإذاعة تعامل مع كتَاب لهم مزاجيتهم الصعبة مثل حمدنا الله عبدالقادر في خطوبة سهير وهاشم صديق في الحراز والمطر وغيرهم ، لكنه لونهم بلون لطفه وفنه وكانت عطاء كل تلك القياء فناً وأبداعاً وجمالاً .
برحيل البروف صلاح ستقف شواهد الإبداع بلا أرجل وستذوب كل ممسكات الوجدان وسينتهي العصر النبيل وتتوقف عقارب الفن والدراما حتى يقيض الله لها مثل صلاح الفاضل وقطعا سيموت الحراز ويتوقف المطر وتطلق سهير ونبحث كلنا عن المستحيل ونبكى النبيل الصالح معلما صلاح الدين الفاضل ( اللهم أرحمه رحمة واسعة بقدر ماعلمنا وأدبنا وجملنا .. آمين يارب العالمين
