آخر الأخبار

صحافة الظروف

مقال بقلم – حسام الدين كرنديس

في امتداد لما طرحناه سابقا في مقال ( الصحفي السوداني إلى أين) تتكشف اليوم صورة أكثر تعقيدا لمشهد إعلامي لم يعد يحكمه ميزان واضح، الصحافة التي يفترض أن تكون عين المجتمع وعقله تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة تتنازعها الرغبات الشخصية والولاءات الضيقة وتقديرات اللحظة. بين الفكرة المهنية الصافية وبين ما يطلبه السوق الاجتماعي تضيع البوصلة وتبهت المعايير.
المجتمع الصحفي في السودان يعيش حالة من الارتباك لا يمكن توصيفها بسهولة. من جهة هناك نصوص واضحة تضبط العمل من خلال ميثاق الشرف الصحفي ومن جهة أخرى واقع منفلت يسمح لأي صوت مرتفع أن يضع نفسه في خانة الصحافة. لم تعد صفة الصحفي مرتبطة بالتأهيل ولا بالخبرة ولا حتى بالالتزام المهني. كل من يملك حسابا نشطا أو جمهورا عابرا صار قادرا على اقتحام المجال وتقديم نفسه كناقل للحقيقة.
تسللت إلى المهنة موجة من الدخلاء بلا رقيب ولا مساءلة. ناشطون على وسائل التواصل صاروا فجأة صحفيين. مؤثرات وعارضات أزياء يتم تقديمهن كإعلاميات يمتلكن مفاتيح الدولة. خبرات تجميل يتحولوا إلى مصادر معلومات سيادية. هذا التمدد لم يكن مجرد تنوع بل تحول إلى فوضى تضرب أساس المهنة وتفرغها من مضمونها.
المفارقة أن المؤسسات نفسها ساهمت في تكريس هذا الواقع. الدعوات للمؤتمرات والفعاليات لم تعد تبنى على المهنية بل على العلاقات الخاصة. من يقترب من مراكز النفوذ يجد لنفسه مقعدا متقدما ومن يلتزم بأخلاقيات العمل يجد نفسه خارج القاعة. تتوزع الفرص بين شلل متناحرة لا يجمعها معيار سوى المصلحة.
هناك شلة ترفع راية القرب من السلطة وتتكفل بتلميع المسؤولين مقابل امتيازات مباشرة. إشعارات مالية وسفريات ومكاسب لا تخفى على أحد. وفي المقابل شلة أخرى تتغطى بخطاب المعارضة والثورة لكنها بدورها لا تخلو من ارتباطات خارجية وتمويل يوجه الخطاب ويعيد تشكيل الأولويات. وبين هذا وذاك تقف مجموعة ثالثة في المنتصف تائهة لا تجد موطئا واضحا بين ضجيج الاصطفافات.
بعض الصحفيين أصبحوا عبيد للظروف و الإشعارات البنكية ( الأخضر البتحرن)، تمجيد للمسؤولين و تنفيذ لأجندات، يشكلون خط الدفاع الأول عن المسؤول، كما قالت إحدى المغنيات ( اكعب حاجة في الدنيا راجل اطبل لراجل ).
النتيجة أن الوسط الصحفي أصبح طاردا. من لا ينتمي إلى شلة يجد نفسه مهمشا مهما امتلك من أدوات.
الصحفي المهني الذي يرفض المساومة لا يجد مؤسسة ولا دعما. تتآكل فرصه لصالح من يجيدون لعبة العلاقات. تتحول المهنة من رسالة إلى شبكة مصالح مغلقة.
الحقيقة المرة أن الخلل لا يقف عند حدود المؤسسات بل يمتد إلى المجتمع نفسه.
هناك خلط واضح بين الصالح العام والخاص.
علاقات الصداقة والقرابة تتدخل في صناعة القرار وتؤثر على التغطية وتعيد ترتيب الأولويات، يصبح الخبر أحيانا انعكاسا لمزاج شخصي و ليس حقيقة واقع.
وسط هذا المشهد يبرز سؤال مشروع، من يعيد ضبط الإيقاع، من يفرض هيبة الدولة داخل المؤسسات الاعلامية ويضع حدا لهذا الانفلات، ليس المقصود قبضة تعسفية بل نظام واضح يساوي بين الجميع ويعيد الاعتبار للمعايير، أن تكون الدعوات وفق الصفة المهنية و ليس وفق القرب و العلاقة، أن تحاسب التجاوزات بلا انتقائية، و أن تغلق أبواب الاستغلال باسم الاعلام.
ورغم قتامة الصورة لا يمكن تجاهل وجود صحفيين نزيهين ما زالوا يقاومون، هؤلاء لا تغريهم حفنة عملات ولا يرهبهم نفوذ، يعملون بصمت ويحاولون الحفاظ على ما تبقى من معنى المهنة. لكنهم اليوم يدفعون ثمن تمسكهم بالمبدأ في بيئة تكافئ السوالب.
تبقى النتيجة الأكثر خطورة هي ضياع المعلومة. حين تختلط الأخبار بالشائعات ويتقدم الصوت العالي على الحقيقة يتوه القارئ، يفقد ثقته في كل ما يقرأ، تتحول الصحافة من مصدر معرفة إلى مصدر تشويش.
هذه ليست أزمة عابرة بل لحظة مفصلية، إما أن تستعيد الصحافة السودانية نفسها وتعيد بناء قواعدها أو تترك الساحة نهائيا لصحافة الظروف التي لا تعرف ثابتا ولا تحترم معيارا.
يبقى السؤال معلقا لا يبحث عن إجابة بقدر ما يطالب بموقف واضح… هل نعيد للصحافة هيبتها أم نواصل التعايش مع الفوضى حتى يصبح فقدان الحقيقة أمرا عاديا لا يثير الانتباه.
أصبحت الساحة الإعلامية تضج بمطبلاتية وناشطين ومؤثرات بمقدمات (رأي) وخلفيات (ثقيلة) لا يتحملها المتلقي.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب