آخر الأخبار

تفكيك الكيانات… الطريق الوحيد لاستعادة الدولة

 

 

بقلم – حسام الدين كرنديس

 

في لحظات الانهيار الكبرى، تكتشف الشعوب حقيقة الازمة التي كانت تتجاهلها لسنوات، والسودان اليوم يقف أمام واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، مرحلة لم تعد تحتمل أنصاف الحلول ولا المجاملات السياسية ولا صناعة التوازنات الهشة التي اوصلت البلاد الى هذا المشهد المعقد. فالحرب الحالية لم تكشف فقط حجم الدمار، بل كشفت ايضا حجم التشوه الذي اصاب فكرة الدولة نفسها.

 

الازمة في السودان لم تكن يوما مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنافسة، بل كانت نتيجة مباشرة لتراكم الكيانات الموازية التي تمددت على حساب مؤسسات الدولة، حتى اصبح الولاء للكيان اقوى من الولاء للوطن، والانتماء للمجموعة مقدم على الانتماء للدولة. ولهذا فإن اول خطوة حقيقية لبناء السودان ليست الاتفاقات السياسية ولا تقاسم المناصب، بل تفكيك الكيانات بكل اشكالها واعادة هيبة الدولة وسلطتها الكاملة دون استثناء.

 

الدولة لا يمكن ان تقوم بوجود جيوش متعددة أو قوى تحمل السلاح خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، حتى لو كانت هذه القوى قد قاتلت الى جانب الجيش في مرحلة من المراحل. فالتحالفات العسكرية ظرف مؤقت تفرضه المعارك، لكنها لا يمكن ان تتحول الى حق دائم في السلطة او النفوذ او المحاصصة.

 

القوات التي ساندت الجيش الوطني في الميدان، سواء كانت قوات الحركات المسلحة او التشكيلات الاخرى، لا ينبغي ان تتحول بعد الحرب الى كيانات تفاوض الدولة من موقع القوة. الواجب الوطني يقتضي دمج هذه القوات داخل المؤسسة العسكرية وفق قوانين الدولة ومعاييرها، لا الابقاء عليها كقوى مستقلة تنتظر حصتها من الوزارات والمناصب والسيادة.

 

ولا يمكن ان يكون حمل السلاح طريقا مختصرا للوصول الى السلطة، لأن هذه المعادلة هي التي دمرت السودان طوال العقود الماضية. كلما ظهرت مجموعة مسلحة، انتهى الأمر بمنحها امتيازات سياسية ومناصب سيادية واتفاقات خاصة، فكانت النتيجة أن حمل السلاح تحول الى وسيلة ضغط لتحقيق المكاسب، و ليس قضية وطنية.

 

ولهذا فان المرحلة القادمة تحتاج الى حسم واضح، وأن لا وجود لأي قوة خارج اطار الدولة، ولا شرعية لأي كيان يحتفظ بسلاحه او نفوذه الخاص تحت اي مبرر، سواء كان ذلك في دارفور او كردفان او الشرق او الشمال او الوسط، فالقانون يجب أن يكون واحدا على الجميع.

 

كما أن السودان بحاجة إلى مراجعة عميقة للخطاب الذي قسم المواطنين الى درجات وفئات ومناطق ذات امتيازات خاصة. فلا يوجد شيء اسمه مواطن له حقوق اكبر من غيره بسبب الجغرافيا او الانتماء او الاتفاق السياسي. المواطن السوداني في دارفور هو نفسه المواطن السوداني في الجزيرة وكسلا والشمالية وسنار ونهر النيل والخرطوم وكل بقاع الوطن.

 

العدالة لا تعني صناعة تمييز جديد تحت شعارات الانصاف، و تعني مساواة الجميع أمام الدولة. وما حدث خلال السنوات الماضية من تخصيص حصص سياسية ووظيفية وتعليمية وفق الانتماء المناطقي و ياتفاقات سياسية خلق شعورا واسعا بالغبن والانقسام، وفتح الباب أمام خطاب خطير يوحي بان بعض السودانيين اولى بالدولة من غيرهم.

 

الحرب لم تضرب منطقة بعينها فقط. صحيح ان هناك مناطق شهدت دمارا مباشرا، لكن الحقيقة أن كل السودان دفع الثمن. المواطن في الولايات التي لم تصلها المعارك عانى من الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتوقف الخدمات وانعدام الاستقرار، بل ان كثيرا من هذه المناطق كانت تعيش اصلا أوضاعا تنموية صعبة قبل الحرب بسنوات طويلة، لذلك فإن التعامل مع الازمة بعقلية الامتيازات المناطقية سيعيد إنتاج الاحتقان نفسه بصورة جديدة.

 

السودان لا يحتاج الى دولة محاصصات، بل الى دولة مواطنة. دولة لا تسأل المواطن من أي إقليم اتى، ولا الى اي قبيلة ينتمي، بل تنظر اليه باعتباره سودانيا له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، وهذه الفكرة لن تتحقق ما لم يتم تفكيك الكيانات التي كرست الانقسام ورسخت النفوذ المسلح والسياسي خارج اطار الدولة.

 

حتى القوى المدنية والواجهات السياسية التي تعيش على صناعة الاستقطاب والاصطفاف تحتاج هي الأخرى الى مراجعة. فالدولة لا تبنى بمنطق الغنائم، ولا بادارة البلاد عبر التحالفات المؤقتة والترضيات السياسية، لكن تبنى بمؤسسات قوية وقوانين صارمة وعدالة تطبق على الجميع دون استثناء او مجاملة.

 

ان اخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة السودانية بعد انتهاء الحرب هو اعادة تدوير الازمة القديمة نفسها، عبر الإبقاء على الكيانات المسلحة ومنحها شرعية جديدة تحت مسميات مختلفة. حينها لن يكون السودان قد تجاوز الازمة، بل يكون قد اجل انفجارا جديدا في المستقبل.

 

الطريق الحقيقي للاستقرار يبدأ من استعادة الدولة لقرارها الكامل، ونزع السلاح من كل الكيانات، ودمج من تنطبق عليهم الشروط داخل المؤسسات النظامية، وإنهاء فكرة الجيوش الموازية والامتيازات الخاصة و المحاصصات المناطقية. فلا احد فوق الدولة، ولا احد يمتلك حقا استثنائيا في السلطة بسبب السلاح او الجغرافيا او الاتفاقات السياسية.

 

السودانيون جميعا ذاقوا مرارة الحرب والانهيار، وجميعهم يستحقون دولة عادلة تحميهم بالتساوي، لا دولة تقوم على توزيع النفوذ بين الكيانات. ولهذا فان هيبة الدولة ليست شعارا سياسيا، بل شرطا اساسيا لبقاء السودان نفسه.

 

اخر الكلام

 

تفكيك الكيانات ليس خيارا يمكن تأجيله، لكن ضرورة وطنية اذا اراد السودان ان يخرج من دوامة الفوضى الى دولة حقيقية تحكمها المؤسسات ويحكمها القانون و ليس موازين القوة و منطق السلاح.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب