في قرية هادئة بشرق الجزيرة، حيث خيمت العتمة طويلاً فوق عيني الشيخ الستيني بفعل المياه البيضاء وتبعات الحرب، لم يكن الرجل يحلم بأكثر من أن يسترد رؤية وجوه أحفاده. لم تأتِ المعجزة في ضجيج الهتافات ولا عبر شاشات التلفاز، وإنما أطلت في صمتٍ تام على متن مخيم طبي تابع لـ مركز فضل محمد خير لخدمة المجتمع. هناك، وبين أروقة مبادرة “أراهم بعناية”، امتزجت دمعة الخوف بابتسامة الذهول حين أزاح الطبيب الضمادة عن عينيه، ليعود النور مجدداً لنحو 1,800 مواطن في الجزيرة والنيل الأبيض، في لحظةٍ فارقة أعادت تلوين الحياة لمن أوشكت أبصارهم أن تفقد الأمل.
لم تكن استعادة البصر سوى الفصل الأول من حكاية العطاء، ففي أزقة مدينة السوكي بولاية سنار، وفي قرى ومدن سودانية متعددة، كانت قافلة “الأيادي البيضاء” تعبر الطرقات الوعرة محملة بأكثر من 80 ألف سلة غذائية. تطرق القوافل أبواب البيوت المتعففة وتستشعر حوائج المحتاجين دون أن تخدش كرامتهم.
كانت رسالة طمأنينة تؤكد للأسر المنسية أن ثمة من يشعر بوجعهم في أوقات الجوع والغلاء، ممتدةً بسخاء لتسند قطاع التعليم وتدعم المدارس المتداعية في المنطقة.
اضغط هنا لمتابعة قناة واتساب سودان إكسبريس
وعندما أطل الشتاء ببرده القارص على معسكرات النزوح في الولاية الشمالية، حيث يفترش نازحو دارفور الأرض وتحتضن أجسادهم النحيلة الرياح الجافة، حطت رحال المبادرة مجدداً لتغزل الدفء للأطفال وكبار السن عبر 25 ألف بطانية حمت أجسادهم من قسوة الليالي الطويلة.
يتوارى المركز خلف أفعاله الميدانية، يعيد ترتيب تفاصيل الحياة لتكون أقل وطأة على المستضعفين.
وفي زمنٍ تقاصرت فيه جهود العديد من المؤسسات أمام ضخامة الأزمة، تتجسد هذه الجهود الصامتة كـ شعاع أمل يطرد ظلام العوز، وتثبت أن الإنسانية حين تتحرك بصدق بين الناس، تستطيع أن تبدد مرارة الحرب وترمم الأرواح المنهكة.
من المهم الإشارة إلى أن مركز فضل محمد خير مؤسسة إنسانية خيرية تسعى إلى نهضة المجتمع ورفع مستوى الحياة لجميع أفراده، من خلال برامج متكاملة تشمل التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والبنية التحتية.

