موقع سودان إكسبريس
الصين: ياسر أبو الفضل مختار
بحسب مصادر متطلعة في شؤون التعليم العالي بالصين، تنافست مواقع صينية موثوقة في نشر تقارير عن تحولات كبيرة في بعض البرامج الجامعية (مرحلة البكالوريوس). ففي 23 يونيو 2026 و وفقًا لبيانات وزارة التعليم التي نقلتها وكالة أنباء شينخوا، وكالة الأنباء الرسمية الصينية، نشر موقع فوربس ملخصاً عن إصلاح شامل للتعليم العالي، حيث ألغت الصين آلاف البرامج الدراسية القديمة، بينما وسّعت نطاق برامجها في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة الأخرى بشكل سريع. فمثلاً، بين عامي 2021 و2025، تم إلغاء أكثر من 12000 برنامج بكالوريوس، واستحداث 10000 برنامج جديد، مما أثر على أكثر من 30% من المقررات الجامعية في البلاد. يُعزى هذا التحول الاستراتيجي إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وطموح الصين لتصبح رائدة عالميًا في التقنيات المتقدمة. وقد شهدت برامج العلوم الإنسانية والفنون تقليصًا غير متناسب، بينما أُعطيت الأولوية لمجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وعلوم البيانات، وذلك لمواءمة الجامعات مع الأهداف الصناعية الوطنية.
اضغط هنا لمتابعة قناة واتساب سودان إكسبريس
مقارنة موجزة مابين أمريكا والصين:
ويتناقض هذا مع التخفيضات في البرامج الدراسية ذات الدوافع المالية التي غالبًا ما يشهدها التعليم العالي الأمريكي، حيث تهدف المبادرة الحكومية الصينية إلى تلبية متطلبات سوق العمل وتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية. وقد دفعت معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب، والتي تتجلى في معارض التوظيف السنوية المزدحمة بخريجي الجامعات الباحثين عن عمل، الصين إلى إلغاء برامج الشهادات “القديمة” التي لا تؤدي مباشرة إلى التوظيف.
وهكذا، تُشكّل عملية إعادة الهيكلة الجارية في الصين تناقضًا صارخًا مع ما يحدث في معظم مؤسسات التعليم العالي الأمريكية. ففي الولايات المتحدة، لجأت الجامعات التي تواجه ضغوطًا مالية متزايدة إلى تقليص البرامج، وتجميد التوظيف، وفي بعض الحالات، تسريح أعضاء هيئة التدريس والموظفين.
غالبًا ما تُعزى هذه التخفيضات إلى انخفاض معدلات الالتحاق، والتغيرات الديموغرافية، وتراجع أعداد الطلاب الدوليين، وعجز الميزانية. أما قرار الصين بإلغاء آلاف البرامج الأكاديمية، فيستند إلى منطق مختلف تمامًا. فبدلًا من مجرد تقليص الإنفاق لتوفير المال، تُعيد الحكومة توجيه القدرات التعليمية نحو القطاعات التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية. والنتيجة ليست تقليصًا واسع النطاق للتعليم العالي، بل إعادة تخصيص واسعة النطاق للموارد بهدف مواءمة الجامعات بشكل أوثق مع الأولويات الاقتصادية للبلاد. ويعكس هذا التباين أيضًا اختلاف الأدوار التي تؤديها الحكومة في التعليم العالي. ففي الصين، تمارس الحكومة المركزية رقابة واسعة على الجامعات، ويمكنها توجيه الأولويات الأكاديمية من خلال السياسات الوطنية وقرارات التمويل. أما في الولايات المتحدة، فتتمتع الكليات والجامعات باستقلالية مؤسسية أكبر بكثير، حيث تُحدد العروض الأكاديمية في المقام الأول من قِبل القيادة المؤسسية، وأعضاء هيئة التدريس، ومجالس الإدارة، وطلب السوق، وحكومات الولايات، بدلًا من استراتيجية وطنية موحدة.
ويبقى أن نرى ما إذا كان تصحيح المسار الذي تسلكه الصين سينجح. لكن استعدادها لإعادة تنظيم التعليم العالي بسرعة حول الأولويات الوطنية يسلط الضوء على الدور المتزايد الذي تلعبه الجامعات في القدرة التنافسية الاقتصادية – وهو نقاش يكتسب أيضاً أهمية ملحة في الولايات المتحدة.

