موقع سودان إكسبريس
كشف تحقيق موسع أجرته وكالة رويترز ونشرته مؤخرا عن ارتباط شركات يسيطر عليها ستيفن شاوليس، وهو جندي أمريكي سابق خدم في القوات الخاصة ويتمتع بسجل طويل من التعاقدات مع الحكومة والجيش الأمريكيين، بتشغيل طائرات بوينج قديمة استخدمت في رحلات وصلت إلى مراكز لوجستية رئيسية اعتمدت عليها قوات الدعم السريع خلال الحرب في السودان.
ويشير التحقيق إلى أن هذه الطائرات كانت جزءًا من شبكة نقل جوي ربطت بين مراكز إمداد إقليمية ومناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وهي القوة شبه العسكرية التي تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، بينها اتهامات بالإبادة الجماعية في إقليم دارفور.
اضغط هنا لمتابعة قناة واتساب سودان إكسبريس
وبحسب ما توصلت إليه رويترز، فإن شركات يملكها أو يسيطر عليها شاوليس أدارت ثلاث طائرات بوينج على الأقل، استخدمت في رحلات إلى مراكز لوجستية مرتبطة بقوات الدعم السريع، في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا والأمم المتحدة عقوبات على عدد من قادة هذه القوات، إضافة إلى أكثر من عشرين شخصًا وشركة تتهمها بمساعدتها في شراء الأسلحة والمعدات وتجنيد المرتزقة.
ويمثل هذا التحقيق أول كشف تنشره رويترز بشأن صلة شركات شاوليس بالحرب السودانية، إلا أن الوكالة أكدت في الوقت نفسه أنها لم تعثر على أي دليل يفيد بأن شاوليس أو شركاته يخضعون لعقوبات أو يواجهون اتهامات رسمية بارتكاب مخالفات.
رجل أعمال ارتبط بعقود أمريكية بمئات الملايين
يعرف ستيفن شاوليس (63 عامًا) في الأوساط الدولية بصفته رئيس شركة سي.إيه.دي.جي التي تتخذ من سنغافورة مقرًا لها، وكانت تعرف سابقًا باسم سنترال آشيا ديفلوبمنت جروب، وهي شركة نفذت مشاريع لصالح الولايات المتحدة والأمم المتحدة على مدى أكثر من عقدين.
وتظهر سجلات حكومية راجعتها رويترز أن الشركات التابعة له حصلت على ما لا يقل عن 419 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، عبر تنفيذ مشاريع عسكرية وبرامج للمساعدات الخارجية.
وشملت هذه الأعمال إنشاء بنى تحتية للقوات الأمريكية في أفغانستان، وتوفير أنظمة تكييف للقوات في العراق، إضافة إلى تنفيذ أعمال في أحد المطارات لصالح وزارة الدفاع الأمريكية في كينيا.
كما أظهرت مراجعة أخرى استندت إلى بيانات الأمم المتحدة أن شركات مرتبطة بـ”سي.إيه.دي.جي” حصلت على أكثر من 160 مليون دولار مقابل تنفيذ مشاريع لصالح وكالات الأمم المتحدة خلال العقدين الماضيين، مع ترجيح أن تكون القيمة الفعلية أعلى بسبب نقص بعض السجلات وصعوبة حصر جميع العقود.
وأكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن الشركة نفذت بالفعل أعمالًا سابقة لصالح المنظمة الدولية، لكنه أوضح أن الأمم المتحدة لم تكن على علم بالطائرات أو العمليات التي كشفها التحقيق، كما أنها لم تكلف الشركة بأي أعمال داخل السودان.
بداية الخيط… طائرة دمرها الجيش السوداني في نيالا
بدأت خيوط التحقيق من حادثة إسقاط طائرة غامضة من طراز بوينج 737 دمرها الجيش السوداني في مايو/أيار 2025 داخل مطار نيالا، الذي يمثل أحد أهم معاقل قوات الدعم السريع في دارفور.
وأفاد مصدر مطلع مباشرة على الواقعة لرويترز بأن 54 شخصًا كانوا على متن الطائرة، بينهم 51 مقاتلًا من قوات الدعم السريع، وقد قتلوا جميعًا في الضربة.
وكشفت وثائق توظيف وسجلات شركات اطلعت عليها رويترز أن قائد الطائرة ومهندسًا أرضيًا كانا يعملان لدى شركة أوكسيدنتال سابورت سيرفيسز، وهي شركة مسجلة في الإمارات ومملوكة بالكامل لشاوليس.
ولم يقتصر الأمر على هذه الطائرة، إذ تمكنت رويترز أيضًا من تتبع طائرتين أخريين من طراز بوينج 727 مرتبطتين بشركات يسيطر عليها شاوليس، بعد نقلهما من الولايات المتحدة والبرازيل إلى تشاد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، قبل أن تنفذا رحلات إلى مراكز إمداد معروفة تستخدمها قوات الدعم السريع.
ورغم ذلك، لا تزال عدة جوانب من نشاط هذه الطائرات غير واضحة، بما في ذلك الجهة التي موّلت تشغيلها، وطبيعة الحمولات التي كانت تنقلها بصورة اعتيادية، فضلًا عن هوية جميع المقاتلين الذين كانوا على متن الطائرة التي استهدفها الجيش السوداني.
وامتنع شاوليس عن الرد على أسئلة تفصيلية وجهتها إليه رويترز بشأن شركاته أو الطائرات، كما لم يقدم كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ردودًا على استفسارات الوكالة.
شبكة إمداد دولية معقدة
يرى التحقيق أن اسم شاوليس يضاف إلى قائمة متنامية من الأطراف المرتبطة بالحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات.
وتتهم جماعات حقوقية ومشرعون أمريكيون وخبراء بالأمم المتحدة دولة الإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع يشمل الأسلحة والمرتزقة، وهو ما تقول تلك الجهات إنه ساهم في إطالة أمد الصراع في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا هشاشة وفقراً.
في المقابل، تؤكد الإمارات أن دورها في السودان يقتصر على الجوانب الإنسانية، بينما يحظى الجيش السوداني بدعم سياسي قوي ومستويات متفاوتة من الدعم العسكري من دول إقليمية، من بينها مصر وتركيا والسعودية وقطر.
واعتمد تحقيق رويترز على مراجعة واسعة لسجلات الشركات والطيران، وعقود البيع والتوظيف، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات تتبع الرحلات، وبيانات مواقع الهواتف المحمولة، إضافة إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أجرت الوكالة مقابلات مع أكثر من 40 شخصًا، بينهم مسؤولون في أجهزة استخبارات، ودبلوماسيون، ومديرو شركات طيران، وخبراء في الأسلحة والسياسة الإقليمية.
ومنذ اندلاع الحرب عام 2023، تمكنت قوات الدعم السريع من بناء ترسانة عسكرية كبيرة والسيطرة على مساحات واسعة من السودان، معتمدة على خطوط إمداد ممتدة عبر دول الجوار لنقل الوقود والأسلحة والمقاتلين الأجانب إلى مناطق سيطرتها.
وقال كريستوفر كارلسون، منسق مشروع السودان في منظمة سمول آرمز سيرفي، التي شاركت رويترز جزءًا من أبحاثها حول شبكات الإمداد الجوي، إن هذه المنظومة تمثل “شبكات إمداد عالمية ذات طابع دولي واضح”، موضحًا أن قوات الدعم السريع تعتمد على طرق جوية وبرية متعددة، إلى جانب مزودي خدمات لوجستية وعدد كبير من الوسطاء.
ويضيف التحقيق أن الطائرات التي أدارتها شركات شاوليس كشفت جانبًا من الحلقة الأخيرة في تلك الشبكة، بعدما ربطت بين مراكز جوية في تشاد وليبيا والصومال، وبين الأراضي التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع في دارفور.
في الرسالة التالية سأواصل الجزء الثاني، الذي يتناول تفاصيل استهداف طائرة بوينج 737، والضحايا، والعقود، وتأثير الهجوم على مسار الحرب.
الهجوم على طائرة نيالا.. نقطة تحول في الحرب السودانية
يصف تحقيق رويترز استهداف طائرة بوينج 737 داخل مطار نيالا في الثالث من مايو 2025 بأنه لحظة مفصلية في مسار الحرب السودانية، إذ لم يقتصر أثر الضربة على تدمير الطائرة، بل تبعها تصعيد عسكري وسياسي واسع بين أطراف الصراع.
وقال الجيش السوداني إنه استهدف الطائرة لأنها كانت تنقل إمدادات إلى قوات الدعم السريع، بينما أعقب الهجوم، في اليوم التالي، تنفيذ قوات الدعم السريع سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة على مدينة بورتسودان، العاصمة المؤقتة للحكومة خلال الحرب. وبعد ذلك أعلنت الحكومة السودانية، التي يقودها الجيش، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بدعم تلك الهجمات.
كيف تعقبت رويترز الطائرة؟
تمكنت رويترز من تحديد هوية الطائرة عبر طلائها المميز باللونين الأبيض والعنابي، وهو التصميم الذي احتفظت به منذ فترة استخدامها السابقة كطائرة تجارية.
وتظهر صور الأقمار الصناعية أنه قبل ساعات قليلة من استهدافها كانت الطائرة متوقفة داخل القسم العسكري بمطار نجامينا الدولي في تشاد، في واحدة من أكثر المناطق الأمنية تحصينًا داخل المطار، وهي منطقة تضم عادة الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الطائرة الرئاسية التشادية.
وبعد ساعات فقط أقلعت الطائرة متجهة إلى مطار نيالا الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع.
ونقل التحقيق عن محلل عسكري غربي، استنادًا إلى مصادره، أن هذه كانت الرحلة الرابعة للطائرة إلى مطار نيالا، وأنها وصلت نحو الساعة العاشرة مساءً في الثاني من مايو 2025، قبل أن ينفذ الجيش السوداني غاراته الجوية بعد نحو أربع ساعات فقط من هبوطها.
ولم ترد القوات المسلحة التشادية على طلبات رويترز للتعليق بشأن وجود طائرات البوينج داخل القسم العسكري بمطار نجامينا.
عشرات القتلى بينهم ضباط كبار
بحسب مصدر مطلع مباشرة على الواقعة، أدى القصف إلى مقتل 54 شخصًا كانوا على متن الطائرة.
وأوضح المصدر أن 51 من القتلى كانوا من مقاتلي قوات الدعم السريع، بينما نقل 57 مصابًا، بينهم عدد غير معروف من عناصر الدعم السريع، إلى المستشفى السوداني التركي في مدينة نيالا.
وأضاف المحلل العسكري الذي استندت إليه رويترز أن ما لا يقل عن ستة ضباط كبار في قوات الدعم السريع كانوا بين القتلى.
كما ضمت قائمة الضحايا طيارًا من جنوب السودان، وطيارًا آخر من كينيا، إضافة إلى مهندس أرضي من بيرو.
وتبين لوكالة رويترز، من خلال مراجعة نسخ من عقود العمل وسجلات إحدى شركات الاستعلامات التجارية، أن الطيار القادم من جنوب السودان والمهندس الأرضي كانا يعملان لدى شركة أوكسيدنتال سابورت سيرفيسز، وهي شركة مقرها الإمارات ومملوكة بالكامل لستيفن شاوليس، وذلك وقت تنفيذ الرحلة التي لقيا مصرعهما خلالها.
عقود العمل تكشف تفاصيل جديدة
اطلعت رويترز على عقد عمل مساعد الطيار المنحدر من جنوب السودان، والذي أظهر أنه كان يتقاضى نحو 200 دولار يوميًا مقابل عمله لدى الشركة.
كما نص العقد على إمكانية حصوله على مكافآت تصل إلى 1000 دولار لقاء “العمل في ظروف صعبة والهبوط في الوقت المحدد”.
وأشار التحقيق إلى أن هذا الأجر يعد مرتفعًا مقارنة بمستويات الدخل في جنوب السودان، إحدى أفقر دول العالم.
ويحمل العقد تاريخ 13 أبريل 2025، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من مقتله، كما تضمن بندًا يمنعه من العمل في وظيفة مماثلة لدى جهة أخرى دون موافقة الشركة.
ورغم أن شركة أوكسيدنتال سابورت سيرفيسز كانت توظف الطيار ومهندس الصيانة اللذين كانا على متن الرحلة، فإن رويترز لم تتمكن من تحديد الجهة المالكة للطائرة نفسها وقت تدميرها، موضحة أن شركات الطيران كثيرًا ما توفر أطقم التشغيل دون أن تكون مالكة للطائرات.
حرب خلّفت أسوأ أزمة إنسانية
ويضع التحقيق هذه الوقائع في سياق الحرب السودانية التي اندلعت عام 2023، بعدما انهار التحالف الذي جمع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير في عام 2019.
وبحسب رويترز، نشب النزاع بسبب الخلاف حول خطط دمج قوات الدعم السريع داخل القوات المسلحة خلال عملية انتقال سياسي لم تكتمل نحو الحكم المدني.
ومنذ ذلك الحين، تشير التقديرات إلى مقتل مئات الآلاف، ونزوح ملايين السودانيين، بينما تسببت المعارك في تفشي المجاعة والأمراض، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ إنسانيًا على مستوى العالم.
ويشير التحقيق إلى أن قوات الدعم السريع تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية وجرائم واسعة، في حين يواجه الجيش السوداني بدوره اتهامات من محققي الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بارتكاب جرائم حرب، من بينها شن هجمات عشوائية على المدنيين وتنفيذ عمليات إعدام ميدانية.
إمبراطورية تعاقدات عسكرية
قبل ظهور اسم شركاته في مسار التحقيق المرتبط بالسودان، كان ستيفن شاوليس قد رسخ مكانته في مجال التعاقدات العسكرية والخدمات اللوجستية عبر شركته سي.إيه.دي.جي.
وبعد خدمته في القوات الخاصة الأمريكية، اتجه إلى تنفيذ مشاريع تنموية وزراعية في آسيا الوسطى، قبل أن يؤسس الشركة عام 2002، بعد عام واحد فقط من الغزو الأمريكي لأفغانستان.
ووفقًا للموقع الإلكتروني للشركة، تتخذ “سي.إيه.دي.جي” من سنغافورة مقرًا لها، وتمتلك مستودعًا بمساحة 75 ألف قدم مربعة في دبي، إلى جانب قواعد جوية في جنوب أفريقيا والسودان، كما تقول إنها أنجزت مشاريع بقيمة 800 مليون دولار في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
وتظهر مراجعة رويترز لوثائق حكومية أن عقود الشركة مع الحكومة الأمريكية في أفريقيا شملت إنشاء مبانٍ لوكالة التنمية الدولية الأمريكية في موزمبيق، ومنشآت لإمدادات المياه للقوات الجوية الأمريكية في كينيا، إضافة إلى مبانٍ للجيش الأمريكي في جمهورية أفريقيا الوسطى.
في الجزء الثالث سأبدأ بقصة طائرات بوينج 727 التي اشترتها شركات مرتبطة بشاوليس من الولايات المتحدة، وكيف تتبعت رويترز رحلاتها إلى تشاد وليبيا ونيالا.
طائرات «بوينج 727».. كيف توسعت شبكة الرحلات بعد تدمير طائرة نيالا؟
بعد أسابيع قليلة من تدمير طائرة بوينج 737 في مطار نيالا، رصدت رويترز تحركًا جديدًا داخل الشبكة التي يقودها ستيفن شاوليس، تمثل في شراء شركات مرتبطة به ثلاث طائرات قديمة من طراز بوينج 727 ونقلها إلى أفريقيا، في مسار تقول الوكالة إنه كشف جانبًا آخر من شبكة الإمداد الجوي المرتبطة بالحرب في السودان.
وتوصل التحقيق إلى أن إحدى الشركات التابعة لشاوليس اشترت، بعد فترة وجيزة من حادثة نيالا، طائرة بوينج 727 صنعت عام 1980 من شركة كاليتا تشارترز 2 الأمريكية، وهي شركة متعاقدة مع الحكومة الأمريكية وتتخذ من ولاية ميشيجان مقرًا لها.
وكانت هذه أولى ثلاث طائرات من الطراز نفسه اشترتها شركات أو أفراد على صلة بشاوليس من شركة كاليتا قبل نقلها إلى القارة الأفريقية.
ورغم أن رويترز تمكنت من تتبع مسار أولى هذه الطائرات إلى مراكز إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع، فإنها لم تعثر على دليل يثبت أن الطائرتين الأخريين سلكتا المسارات نفسها.
وثائق أمريكية تكشف هوية المشتري
تظهر سجلات إدارة الطيران الاتحادية الأمريكية أن شركة كونتراكتور إيرويز بروبريتاري المحدودة، المسجلة في جنوب أفريقيا، اشترت أول طائرة بوينج 727 وتحمل الرقم التسجيلي N726CK في 29 مايو 2025.
وتبين سجلات الشركات في جنوب أفريقيا أن ستيفن شاوليس مسجل مديرًا للشركة، إلى جانب شريكه التجاري القديم في أفريقيا كريج مونرو، الذي يشغل أيضًا منصب الرئيس التنفيذي لـ«كونتراكتور إيرويز».
وقال محامي شركة كاليتا لرويترز إن الشركة أجرت إجراءات تدقيق شاملة قبل إتمام صفقة بيع الطائرات الثلاث، شملت تطبيق نموذج «اعرف عميلك» (Know Your Customer).
وأضاف أن نموذج التدقيق، الذي اطلعت عليه رويترز، حدد شاوليس ومونرو باعتبارهما المالكين المشتركين لشركة «كونتراكتور إيرويز»، وأن عملية الفحص لم تكشف عن أي انتهاك للعقوبات أو أي مخالفة تتعلق بالأفراد أو الشركة.
وصول سريع إلى نجامينا
تكشف بيانات تتبع الرحلات، إلى جانب صور الأقمار الصناعية ورسالة صادرة عن هيئة الطيران المدني في تشاد في فبراير/شباط 2026، وشاركها محامي شركة كاليتا مع رويترز، أن الطائرة وصلت إلى نجامينا في اليوم نفسه الذي وقعت فيه صفقة شرائها، أي في 29 مايو 2025.
وعند طلب التعليق، قال كريج مونرو إن شركة أوكسيدنتال سابورت سيرفيسز وفرت التمويل اللازم لشركة «كونتراكتور إيرويز» لشراء الطائرات.
وأضاف أن هذه الطائرة، إلى جانب طائرة أخرى من طراز 727 اشترتها الشركة من كاليتا، بقيتا متوقفتين منذ وصولهما إلى تشاد، باستثناء عدد محدود من الرحلات من وإلى نجامينا لنقل معدات طبية لصالح أحد العملاء، واصفًا ذلك بأنه جزء من النشاط الاعتيادي للشركة.
أما ستيفن شاوليس، فقد أحال جميع الاستفسارات المتعلقة بالطائرات إلى مونرو، واكتفى بالقول إنها بيعت، من دون تقديم تفاصيل إضافية، فيما لم تتلق رويترز ردًا على رسائل ومكالمات وجهتها إلى البريد الإلكتروني ورقم الهاتف المسجلين باسم شركة «أوكسيدنتال سابورت سيرفيسز».
صور الأقمار الصناعية تكشف مسارًا مختلفًا
لكن التحقيق يعرض صورة مختلفة، إذ تظهر صور الأقمار الصناعية أن أول طائرة بوينج 727 اشترتها الشركات المرتبطة بشاوليس ظلت لفترات طويلة داخل القسم العسكري شديد الحراسة في مطار نجامينا.
كما جمعت رويترز بين صور الأقمار الصناعية وبيانات الموقع الخاصة بجهاز هاتف محمول كان موجودًا على متن الطائرة، إلى جانب بيانات تخص طائرة بوينج قديمة أخرى مرتبطة بشركات شاوليس، لتتوصل إلى أن الطائرة نفذت سبع رحلات على الأقل إلى مطار الكفرة في جنوب شرق ليبيا، خلال الفترة الممتدة بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2025.
وقدمت مجموعة كونفليكتس إنسايتس جروب، وهي منظمة بحثية غير ربحية تتابع تطورات الحرب في السودان، بيانات الهاتف المحمول، كما شاركت في تحليلها ضمن التحقيق.
الكفرة.. محطة محورية في خطوط الإمداد
ويشير التحقيق إلى أن مطار الكفرة، الواقع على بعد نحو 300 كيلومتر من الحدود السودانية، لعب دورًا بالغ الأهمية خلال حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر.
وتخضع منطقة الكفرة الصحراوية لسيطرة قائد عسكري ليبي متحالف مع الإمارات، التي يواصل مشرعون أمريكيون وخبراء بالأمم المتحدة اتهامها بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، بينما تؤكد أبوظبي أن دورها في السودان يقتصر على المساعدات الإنسانية.
وامتنعت سلطات مطار الكفرة عن الرد على أسئلة رويترز المتعلقة بما ورد في التحقيق.
فيديو مفتوح المصدر يربط الطائرة بنيالا
وفي دليل آخر، استندت رويترز إلى مقطع فيديو غير مؤرخ نشره موقع «لا سيا فاسيا» الكولومبي في 3 أغسطس/آب 2025 ضمن تقرير عن المرتزقة الكولومبيين العاملين في السودان.
ويُظهر التسجيل طائرة بوينج 727 ذات البدن الأبيض والذيل الرمادي وهي تهبط في مطار نيالا.
وأكدت رويترز، بعد التحقق من الفيديو، أنه صُور بالفعل في مطار نيالا، وأن تاريخ تصويره يعود إلى ما بعد 10 يونيو/حزيران 2025.
وفي المقابل، نفى كريج مونرو صحة هذه الاستنتاجات، وقال إن الادعاءات المتعلقة بهبوط الطائرات في الكفرة أو نيالا «غير صحيحة على حد علمنا».
وأضاف: «لا توجد الآن، ولم تكن توجد في أي وقت من الأوقات، أي صلة بين شركة كونتراكتور إيرويز وقوات الدعم السريع».
طائرة من البرازيل إلى تشاد.. مسار جديد تكشفه رويترز
لم تقتصر نتائج التحقيق على الطائرات القادمة من الولايات المتحدة، إذ توصلت رويترز إلى أن طائرة بوينج 727 أخرى وصلت إلى أفريقيا قادمة من البرازيل، قبل أن تستقر في القسم العسكري بمطار نجامينا، ثم تنفذ رحلات إلى مطار الكفرة الليبي.
وأبلغت شركة توتال ليناس آيريس، وهي شركة برازيلية صغيرة تعمل في الشحن الجوي والتأجير، رويترز بأنها باعت الطائرة مقابل نحو مليون دولار إلى وسيط أمريكي في مجال الطيران يدعى مايكل فيريرا، والذي أعاد بيعها لاحقًا إلى شركة أوكسيدنتال.
لكن فيريرا نفى علمه بتفاصيل الطائرة، ورفض الإدلاء بمزيد من التعليقات.
وتظهر وثائق التسجيل البرازيلية أن الشركة المشغلة الجديدة للطائرة سجلت باسم “أوكسيدنتال سابورتينج سيرفيسيز”، وهو اسم ترى رويترز أنه يبدو نتيجة خطأ إملائي في اسم شركة أوكسيدنتال سابورت سيرفيسز المملوكة لستيفن شاوليس.
كما أشارت وسائل إعلام برازيلية متخصصة في الطيران، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، إلى الشركة نفسها باعتبارها المشغل الجديد للطائرة بوينج 727 المسجلة بالرقم PR-TTW، موضحة أن وجهتها النهائية ستكون تشاد.
ولفت التحقيق إلى أن مثل هذه الصفقات تحظى باهتمام وسائل الإعلام المتخصصة بسبب ندرة طائرات بوينج 727 واستمرار الاهتمام بها بين هواة الطيران.
من ناتال إلى نجامينا
أوضحت شركة توتال ليناس آيريس أنها نقلت الطائرة إلى مدينة ناتال في شمال شرق البرازيل، وهي نقطة انطلاق معتادة لرحلات الشحن المتجهة عبر المحيط الأطلسي إلى أفريقيا.
وتؤكد بيانات تتبع الرحلات التي اطلعت عليها رويترز وصول الطائرة إلى ناتال في 30 أكتوبر 2024.
كما تشير بيانات الموقع الخاصة بجهاز الهاتف المحمول الذي سبق أن رصدته رويترز على متن أول طائرة اشترتها شركة كاليتا إلى أن الجهاز نفسه غادر ناتال متجهًا إلى نجامينا، حيث وصل في الأول من نوفمبر 2024.
وتكشف صور الأقمار الصناعية أن الطائرة القادمة من البرازيل والطائرة الأولى التي اشترتها الشركات المرتبطة بشاوليس من شركة كاليتا ظلتا متوقفتين جنبًا إلى جنب داخل القسم العسكري بمطار نجامينا لفترات طويلة.
صيانة ورحلات متكررة إلى الكفرة
وخلال وجودها في تشاد خضعت الطائرة البرازيلية لعملية صيانة كبيرة.
وتظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في ديسمبر/كانون الأول 2024 أن محركها الأيمن أزيل بالكامل قبل استبداله بمحرك آخر مطلي بلون أكثر قتامة، وهي سمة مميزة ساعدت رويترز في التعرف على الطائرة في الصور اللاحقة.
وبالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية نفسها، خلصت الوكالة إلى أن الطائرة نفذت ثلاث رحلات على الأقل إلى مطار الكفرة الليبي، وذلك في 25 مارس 2025 و18 سبتمبر 2025 و4 يناير 2026.
وتزامنت تلك الرحلات، بحسب التحقيق، مع زيادة ملحوظة في حركة طائرات الشحن القادمة من الإمارات والصومال إلى الكفرة خلال عام 2025، وهي الحركة التي وثقتها لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قبل سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر.
شبكة إمداد كشفتها الأدلة الرقمية
اعتمدت رويترز في تتبع هذه التحركات على مزيج من صور الأقمار الصناعية، وبيانات تتبع الرحلات الجوية، وسجلات الشركات، ووثائق البيع والتوظيف، إضافة إلى بيانات مواقع الهواتف المحمولة ومقاطع فيديو مفتوحة المصدر، إلى جانب مقابلات مع أكثر من 40 مسؤولًا وخبيرًا ودبلوماسيًا ومدير شركة طيران.
وتوصل التحقيق إلى أن الطائرات الثلاث المرتبطة بشركات يسيطر عليها ستيفن شاوليس هبطت ما لا يقل عن 16 مرة في ثلاثة مراكز رئيسية هي بوصاصو في الصومال، والكفرة في ليبيا، ونيالا في دارفور، بينما كانت تتمركز غالبًا داخل القسم العسكري بمطار نجامينا في تشاد.
ويرى خبراء بالأمم المتحدة، ومسؤولو استخبارات، ودبلوماسيون، ومحللون عسكريون، ومنظمات حقوقية، أن هذه المطارات شكلت مراكز لوجستية أساسية ضمن الجسر الجوي الذي استخدم لتزويد قوات الدعم السريع بالإمدادات خلال حصار مدينة الفاشر، وهي العملية التي بدأت في فبراير 2025 واستمرت حتى سقوط المدينة في أكتوبر من العام نفسه.
وتتهم الأمم المتحدة قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية خلال حصار الفاشر، الذي يعد من أكثر فصول الحرب السودانية دموية، وأسهم سقوط المدينة في ترسيخ سيطرة القوات على إقليم دارفور، الذي تعادل مساحته تقريبًا مساحة فرنسا.
ويقول خبراء مختصون في العقوبات إن تقديم خدمات لوجستية أو نقل بضائع أو أشخاص، مع العلم بأنها تصب في مصلحة قوات الدعم السريع، قد يشكل انتهاكًا للعقوبات الأمريكية وعقوبات الأمم المتحدة.
وفي المقابل، لم تتلق رويترز ردودًا من حكومة الإمارات أو وزارة الدفاع الأمريكية أو السلطات المسيطرة على شرق ليبيا بشأن ما ورد في التحقيق.
أما وزير الخارجية التشادي عبد الله صبري فضول، فأكد في بيان أن دور بلاده في الأزمة السودانية يقتصر على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى استعادة السلام، مشددًا على أن البنية التحتية العسكرية في تشاد تستخدم حصريًا لخدمة القوات المسلحة التشادية.
من جانبه، قال المدير العام لهيئة الطيران المدني في تشاد إبراهيم دادي إن أياً من طائرتي بوينج 727 أو طائرة بوينج 737 لم تحصل على تصاريح للعمل داخل تشاد، مضيفًا أن السلطات لم تتلق طلبات رسمية لتسجيل هذه الطائرات أو إصدار الشهادات اللازمة لهبوطها أو تحليقها.
ويختتم التحقيق بالإشارة إلى أن صور الأقمار الصناعية أظهرت نقل طائرات البوينج الثلاث من مواقعها داخل القسم العسكري بمطار نجامينا إلى موقع آخر خلال الفترة بين 9 و12 يوليو 2026، في أحدث تحرك رصدته رويترز ضمن مسار هذه الطائرات.

