آخر الأخبار

تحصين الشمول المالي: نحو ميثاق وطني لمواجهة جائحة الاحتيال الرقمي في السودان

بقلم المحامى والمستشار القانونى/ النذير السر

لم يعد الاحتيال المصرفي في السودان مجرد حوادث فردية عابرة يمكن التغاضي عنها، بل استحال إلى جريمة منظمة تنهش في جسد الاقتصاد الوطني وتزعزع ثقة المواطن في التحول الرقمي الذي صار ضرورة للبقاء في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. إن هذه الفجوة العميقة بين سرعة ابتكار المجرمين وبطء الاستجابة التشريعية والتقنية تفرض علينا اليوم ضرورة صياغة واقع جديد يحمي مدخرات البسطاء من براثن “عصابات التطبيقات” التي استغلت الحاجة الماسة للسيولة الرقمية وغياب الوعي الأمني لتنفيذ عمليات نهب ممنهجة تحت غطاء التكنولوجيا، مستغلين في ذلك بطء الإجراءات الورقية والبيروقراطية التي تمنح المجرم زمناً كافياً لتهريب المسروقات.
إن أولى خطوات المواجهة تبدأ بثورة تشريعية شاملة تتجاوز القوانين التقليدية لتضع الجرائم المالية الإلكترونية في خانة الجرائم الماسة بالأمن القومي والاقتصادي، وهذا يتطلب سن تشريعات تغلظ العقوبات لتصل إلى السجن المشدد مع المصادرة الفورية للأصول. إلا أن التشريع وحده لا يكفي ما لم يُدعم بآلية إجرائية ذكية تقدس “عنصر الزمن”؛ فالمجرم الرقمي لا يحتاج لأكثر من ثوانٍ لتشتيت الأموال، مما يحتم إلغاء نظام المخاطبات الورقية التقليدية واستبداله بمنصة رقمية موحدة للربط المباشر بين المصارف ونيابة جرائم المعلوماتية. هذه المنصة يجب أن تمنح وكيل النيابة صلاحية إصدار “أوامر تجميد مؤقتة” فورية وتلقائية بمجرد توثيق البلاغ إلكترونياً، ليتم حظر الحساب المشبوه في “الوقت الحقيقي” قبل أن يتمكن المحتال من سحب الأموال أو تحويلها، مما ينهي عهد البيروقراطية التي كانت تعمل لصالح الجاني ضد الضحية.
وعلى الضفة الأخرى، يجب إقرار مبدأ المسؤولية التضامنية الذي يلزم المؤسسات المالية بتطوير دورها التأميني من داخل التطبيقات نفسها، لتنتقل من خانة “مقدم الخدمة” إلى “الحارس”. وذلك عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط المشبوهة، وفرض مستويات متعددة من المصادقة الحيوية كبصمة الوجه أو العين للعمليات الكبيرة، فضلاً عن ابتكار منتجات تأمينية رمزية تضمن للمودعين استرداد أموالهم في حال وقوع الاحتيال. إن هذا التحصين التقني والربط القانوني السريع يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع حملة وطنية كبرى لمحو الأمية الرقمية، تستخدم لغة بسيطة ودارجة تصل لكل بيت، لتجعل من القاعدة الذهبية “لا تشارك رمز التحقق أبداً” درعاً يحمي الضحايا المحتملين من حيل الهندسة الاجتماعية.
إن حماية تعب السودانيين ومدخراتهم هي معركة وعي وطني وأخلاقي في المقام الأول، تتكاتف فيها إرادة المشرع بذكاء المصرفي ويقظة المواطن، مع ضرورة توفير خط ساخن قضائي-مصرفي يعمل على مدار الساعة لملاحقة الجرائم في مهدها. فالتطور التقني إذا لم يُسج بسياج قانوني متين وتنسيق لحظي فائق السرعة، سيتحول من أداة للبناء إلى معول للهدم. إن الرهان اليوم هو أن نسبق المحتال بخطوة، عبر ميثاق إجرائي جديد يجعل من الهاتف الذي في جيوبنا حصناً للمدخرات لا مصيدة للمحتالين، فالحقيقة التي لا تقبل التأجيل هي أن العدالة التي لا تتحرك بسرعة الضوء في فضاء الإنترنت هي عدالة عاجزة لا تليق بحجم التحديات التي يواجهها إنساننا السوداني الصابر.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب