آخر الأخبار

دون تاريخ إنتاج أو انتهاء.. شاي ولبن مجفف يغزوان الأسواق

  • عرض تحت أشعة الشمس الحارقة.. وبيع في “الدرداقات”.. من المسؤول؟
  • خبراء أغذية: اللبن منتهي الصلاحية يسبب تلوثًا ميكروبيولوجيًا، وتعرض الشاي للأتربة يلحق أضرارًا بالجهاز التنفسي
  • هيئة المواصفات والمقاييس تطلق نداءً تحذيريًا للموردين وأصحاب المصانع
  • حملات مستمرة لمباحث التموين وإنجازات كبيرة في الضبطيات
  • خبير اقتصادي: نحن أمام وضع مختل يحتاج إلى تدخل عاجل، وهناك منافسة غير مشروعة
  • قانونيون: العقوبات رادعة وتصل إلى الغرامة والحبس
  • دعوات لمراقبة نقاط التفتيش على الطرق السريعة والمكاتب المتخصصة في نقل البضائع
  • داعية إسلامي: السكوت عن السلع الفاسدة أو التلاعب في الأوزان والمعايير يلحق الضرر بالجميع

 

كتب: بهاء الدين أحمد السيد

شهدت الأسواق في الأسابيع الماضية تدفق كميات كبيرة من “لبن البودرة المجفف” و”الشاي”، تُباع في أوانٍ تعاني من الصدأ وفي العراء، تتخللها العديد من الشوائب، وصلت إلى حد وجود حشرات نافقة ومخلفات حيوانية.

هذه المنتجات لا تحمل تاريخ إنتاج أو مدة صلاحية أو تحديدًا لدولة المنشأ أو علامة تجارية للمصنع، وبالتالي تُجهل طرق تخزينها، ما دفعني للاستقصاء وطرح العديد من الأسئلة، في مقدمتها: من المسؤول عن مراقبة ذلك؟

هذا الوضع المختل لا يحدث حتى في أسواق “الصومال” أو “بوركينا فاسو”، لكنه يحدث في العاصمة الخرطوم، حيث تُعبأ هاتان السلعتان في أكياس شفافة تحت هجير الشمس، دون أن يعلم أحد مدى صلاحيتها للاستخدام الآدمي، بينما يبيعها آخرون في مواقف المواصلات العامة عبر حملها في “درداقات”. والأخطر من ذلك أنها تُباع في محلات ثابتة داخل بعض متاجر “الإجمالي”، معبأة في أكياس كبيرة وصولًا إلى مرحلة عرضها في “طشات الغسيل الحديدية”.

يحدث ذلك أمام الجميع في مخالفة صريحة لقانون الأغذية والصحة العامة وقانون المواصفات والمقاييس.

هذا الوضع، الذي أخذ في الاتساع خلال فترة الحرب بسبب غياب الأجهزة الرقابية وجشع بعض الموردين، طال ضرره الكثيرين، في ظل تزايد حالات الالتهاب المعوي ومرض السرطان.

لكن بعد عودة الأمور إلى نصابها ومباشرة النيابة المتخصصة لمهامها، فضلًا عن تحركات مباحث التموين والهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، بدأت جهود حثيثة لاستئصال هذا السرطان الممتد في العاصمة الخرطوم والولايات، عبر حملات نوعية أسفرت عن ضبطيات مهمة، خصوصًا فيما يتعلق بالسلعتين المذكورتين.

وبخلفية استقصائية حاولت جاهدًا التعرف على طرق دخول هذه المنتجات وطبيعة الإجراءات المتبعة، في ظل الإغراق الكبير الذي تشهده الأسواق حاليًا.

وتساءلت حينها: أين الشركات الوطنية المعروفة الحاملة للعلامات التجارية التي ألفها الشعب السوداني لسنوات طويلة؟ لكنني تأكدت لاحقًا أنها باشرت عملها بقوة، وأن منتجاتها متوفرة في الأسواق بعلاماتها التجارية وجودتها المعروفة، وفق ضوابط الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس التي تحدد حتى سعات الأوزان.

لكن بالمقابل، تساءلت أيضًا: من هو الأب الشرعي لمنتجي اللبن المجفف والشاي مجهولي الهوية في الأسواق؟

وبعد الاستقصاء، علمت أن هذه المنتجات تدخل بطرق قانونية باسم بعض الموردين بهدف إعادة تعبئتها محليًا بعد استيرادها، وبالتالي لا توجد مشكلة في دخولها وفق المستندات الرسمية، لكن السؤال: هل التزم هؤلاء الموردون بالفعل بالشروط المحددة؟ وهذا ما لم يحدث.

فالواقع يشير إلى بيع هذه المنتجات مباشرة في الأسواق بالطريقة التي نشاهدها الآن، متجاوزين تعهداتهم السابقة والاشتراطات المحددة في التعبئة وفق ما نص عليه قانون المواصفات والمقاييس، وذلك من أجل الكسب السريع.

منافسة غير مشروعة

وبالحديث مع أحد الخبراء الاقتصاديين لفهم أسباب تعمد أصحاب هذه السلع مجهولة الهوية، مثل اللبن والشاي و”الكيري”، عدم تعبئتها بصورة تحفظ سلامتها وصلاحيتها، وتفضيلهم بيعها مباشرة للمستهلك، أشار إلى أنهم يتجاوزون القانون وتكلفة التعبئة معًا.

وأوضح أن المصانع التي تقوم بالتعبئة هي شركات كبيرة تحافظ على سمعتها وتحترم قاعدة مستهلكيها، وتتحمل تكاليف عالية، تشمل أجور العاملين الذين يعملون بنظام الورديات، وترحيلهم، فضلًا عن تشغيل خطوط الإنتاج ذات التكلفة المرتفعة في ظل أوضاع الكهرباء الحالية، إضافة إلى طباعة مواد التغليف والكرتون وشراء الوقود لتشغيل أساطيل التوزيع على مستوى المركز والولايات.

وقال: “نحن أمام وضع مختل يحتاج إلى تدخل عاجل، فبينما يلتزم بعض المستوردين بالضوابط ويتحملون تكاليف عالية لإنتاج منتج آمن، يضرب آخرون بالقوانين عرض الحائط لتحقيق أكبر قدر من الأرباح”.

وأكد أن هذا الوضع يخل بعدالة السوق ويخلق منافسة غير مشروعة، فضلًا عن مخاطره الصحية الناتجة عن غياب شروط التعبئة والتخزين السليم، خصوصًا بالنسبة لسلعتي اللبن المجفف والشاي اللتين يتم شراؤهما بشكل يومي.

وأضاف: “كيف يستوي في السوق من يدفع فاتورة إنتاج مرتفعة ويلتزم بالضوابط مع آخرين يبيعون منتجاتهم بصورة مباشرة وغير آمنة؟”، داعيًا الأجهزة العدلية والمختصة إلى التعامل بحزم مع هذا الوضع.

وأشار إلى أن الدولة، ممثلة في وزارة الصناعة، تنادي بعودة القطاع الصناعي وتشجعه على النهوض مجددًا رغم الخسائر الضخمة التي تعرض لها خلال الحرب.

كما دق الخبير الاقتصادي ناقوس الخطر بشأن تأثير غياب عدالة السوق، محذرًا من اتجاه الشركات الكبرى إلى أسواق بديلة في إثيوبيا وجنوب السودان وإريتريا، ما قد يحرم الدولة من إيرادات مهمة كان يوفرها القطاع الصناعي.

عقوبات رادعة ولكن

وبحسب عدد من القانونيين، فإن قانون المواصفات والمقاييس لسنة 2008 يُعد رادعًا، حيث تنص المادة (31) الخاصة بالمخالفات والعقوبات على الغرامة أو الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو العقوبتين معًا لكل من:

  • طرح أو عرض مواد غير مطابقة للمواصفات القياسية أو القواعد الفنية في الأسواق أو المحلات التجارية.
  • التلاعب بالمعلومات الواردة على بطاقة البيان أو طباعة عبوات وبطاقات مزورة.
  • تدوين عبارات توحي بمطابقة المنتج للمواصفات دون موافقة رسمية.
  • خداع المستهلك أو غشه عبر الإعلان المضلل.

ويرى القانونيون أن العبرة تبقى في تنفيذ القانون وإنفاذ العقوبات.

خطر محدق بحياة الإنسان

وأشار خبراء في مجال الأغذية إلى خطورة استخدام اللبن المجفف منتهي الصلاحية، مؤكدين أنه يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المستهلكين، خاصة عند استخدامه كبديل للحليب الطازج أو في التصنيع الغذائي.

وأوضحوا أن من مخاطره احتواءه على تلوث ميكروبيولوجي ناتج عن سوء التخزين أو التعبئة، ما يؤدي إلى التسمم الغذائي والإسهال والقيء وآلام الجهاز الهضمي.

كما أشاروا إلى أن الحليب المجفف الرديء قد يحتوي على “كوليسترول متأكسد” يساهم في انسداد الشرايين وأمراض القلب.

وأكد الخبراء أيضًا أن الشاي المعروض في الهواء الطلق دون تغليف يكون عرضة للأتربة الدقيقة، وقد يحمل بقايا مبيدات أو جراثيم، ما يسبب تهيجًا وحساسية للجهاز التنفسي، فضلًا عن فقدانه لنكهته وطعمه.

إشادة بمباحث التموين

ومن الصور المشرقة التي تستحق الإشادة ما تقوم به مباحث التموين وحماية المستهلك من دور متعاظم في حماية صحة المواطنين، إذ نظمت حملات واسعة في الأسواق أسفرت عن ضبطيات كبيرة.

المواصفات والمقاييس تعود بقوة

كما تابعت خلال الأيام الماضية حملات كبيرة نفذتها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس على مستوى المركز والولايات، أسفرت عن ضبط سلع منتهية الصلاحية، ما يعكس يقظتها في تصحيح المسار.

وأصدرت الهيئة إعلانًا تحذيريًا للموردين وأصحاب المصانع شددت فيه على ضرورة الالتزام بالتعهدات القانونية الخاصة باستيراد عبوات اللبن المجفف والشاي الكبيرة، سواء بغرض التصنيع أو إعادة التعبئة وفق المواصفات المعتمدة.

وحذرت الهيئة من طرح هذه المنتجات مباشرة في الأسواق بعبواتها الكبيرة، معتبرة ذلك مخالفة خطيرة تستوجب اتخاذ إجراءات قانونية رادعة.

كما ناشدت المستهلكين الإبلاغ عن أي مخالفات عبر الرقم الموحد (5960).

المنابر تتحدث

وأكد الداعية الإسلامي الشيخ محمد علي الفاضلابي، إمام مسجد الوالدين بالواحة شرق أم درمان، على الدور المحوري للمستهلك في رقابة الأسواق وحماية المجتمع من الممارسات الضارة.

وأشاد بجهود الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس واللجنة القومية لشؤون المستهلكين في ضبط الجودة وملاحقة السلع المخالفة، داعيًا الجميع إلى التعاون معها.

وشدد على ضرورة التبليغ الفوري عن أي مخالفات، مؤكدًا أن السكوت عن السلع الفاسدة أو التلاعب في الأوزان والمعايير يلحق الضرر بالجميع.

خاتمة

من خلال متابعتي، بدأت النيابة المتخصصة مباشرة مهامها، إلى جانب نشاط واضح لمباحث التموين وهيئة المواصفات والمقاييس عبر حملات منتظمة تستهدف الأسواق.

وتبقى كافة جهات الاختصاص مطالبة بمضاعفة جهودها لتشمل حتى مخازن أصحاب التصاديق الخاصة بالعبوات الكبيرة، إضافة إلى نقاط التفتيش على الطرق السريعة ومكاتب الترحيلات المتخصصة في نقل البضائع والطرود، على أن يستمر هذا العمل بصورة دائمة لا موسمية.

و”إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، ولابد من الضرب بيد من حديد وأن تكون العقوبات رادعة، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب.

ويبقى التعويل الأكبر على وعي المواطن بألا يشتري السم لأبنائه بيده.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب