آخر المنشورات

رغم أنها مصنع مبرمجي العالم.. لماذا تعجز الهند عن تصميم مواقع حكومية جيدة؟

يصعب على كثيرين فهم المفارقة الهندية في عالم التكنولوجيا. فالدولة التي تزود شركات التقنية العالمية بآلاف المهندسين والمبرمجين، ويشغل أبناؤها مناصب قيادية في كبرى شركات وادي السيليكون، تعجز مؤسساتها الحكومية عن تقديم مواقع إلكترونية سهلة الاستخدام وفعالة.

هذه المفارقة دفعت مجلة “الإيكونوميست” إلى طرح سؤال مباشر في تقرير حديث: لماذا تبدو المواقع الحكومية الهندية متأخرة رقمياً رغم التفوق التقني الذي تشتهر به البلاد؟

انضم إلى قناة واتساب أخبار سودان إكسبريس

لا يتعلق الأمر بحالة منفردة أو موقع إلكتروني واحد، بل بمشكلة تمتد عبر عدد كبير من الخدمات الحكومية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين يومياً.

خدمات أساسية… وتجربة استخدام مرهقة

من أبرز الأمثلة التي أوردها التقرير موقع إصدار تأشيرات السفر إلى الهند، حيث يواجه المستخدم رحلة طويلة من التعقيدات التقنية والإجراءات المربكة قبل إكمال طلبه. ولا يرى التقرير أن السبب يعود إلى رغبة الحكومة في الحد من إصدار التأشيرات، وإنما إلى ضعف تصميم المنصة وآلية إدارتها.

وتتكرر الصورة نفسها في مواقع حكومية أخرى، مثل تسجيل الناخبين، وحجز تذاكر السكك الحديدية، وتقديم الإقرارات الضريبية، وهي مواقع توصف بأنها من أفضل المنصات الحكومية في البلاد، رغم ما تعانيه من مشكلات متكررة.

وتبدأ المعاناة منذ الصفحة الأولى، حيث تمتلئ الشاشة بالنوافذ المنبثقة والعناصر الرسومية التي تحجب المحتوى، إلى جانب صور المسؤولين واختبارات التحقق التي تتحول في كثير من الأحيان إلى عقبة أمام المستخدمين بدلاً من أن تكون وسيلة لحمايتهم.

أخطاء تمتد إلى قلب الأنظمة

ولا تتوقف المشكلات عند واجهات الاستخدام، إذ يواجه المتصفح روابط معطلة، وقيوداً غير مبررة على إدخال البيانات، مثل تحديد عدد الأحرف المسموح بها في بعض الخانات داخل مواقع الخدمات الحكومية.

أما على مستوى البنية التقنية، فقد كشف شاب يبلغ من العمر 19 عاماً ثغرات خطيرة في نظام امتحانات الشهادات المدرسية، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الانتقادات بشأن مستوى تأمين الأنظمة الحكومية.

الأزمة ليست نقصاً في الكفاءات

يرى التقرير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الخبرات، فالهند تمتلك واحدة من أكبر القواعد البشرية المتخصصة في التكنولوجيا على مستوى العالم، ويعمل مطوروها في مشاريع رقمية داخل الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.

لكن الجهاز الحكومي، بحسب التقرير، لا يزال يتعامل مع الخدمات الإلكترونية بعقلية الإجراءات الورقية، فيركز على نقل النماذج التقليدية إلى الإنترنت بدلاً من إعادة تصميم الخدمة لتناسب البيئة الرقمية.

ويظهر هذا الخلل أيضاً في التأخر في تبني مبادئ تصميم تجربة المستخدم (UX)، التي أصبحت معياراً أساسياً في تطوير المنتجات الرقمية منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، بينما لم تدخل الممارسات الحكومية الهندية هذا المجال إلا عام 2023.

عندما يحدد الإداريون شكل الحلول التقنية

جزء كبير من المشكلة يبدأ قبل كتابة أول سطر برمجي.

ففي العديد من الجهات الحكومية، يتولى موظفون إداريون مسؤولية التعاقد على المشاريع الرقمية رغم افتقارهم إلى الخبرة التقنية. وينصب اهتمامهم على استيفاء اللوائح والإجراءات المالية، بينما تغيب الرؤية المتعلقة باحتياجات المستخدم النهائي.

وبسبب غياب المتطلبات الواضحة، تضطر شركات القطاع الخاص إلى وضع تصور المشروع بنفسها، فتحدد أهدافه وآلية عمله وفق رؤيتها الخاصة، وهو ما قد يؤدي إلى إنتاج أنظمة لا تحقق الغرض الذي أنشئت من أجله، رغم تنفيذها للعقد كما هو مطلوب.

وفي ورقة بحثية حديثة، تلخص الباحثة سوزان توماس، من مركز “إكس كيه دي آر” في مومباي، هذه الإشكالية بقولها إن الجهات الحكومية تشتري أنظمة رقمية، لكنها لا تمتلك المعرفة الداخلية الكافية لفهم كيفية تطويرها أو الاستفادة منها، لتتحول هذه الأنظمة مع الوقت إلى أصول مرتفعة التكلفة يصعب إدارتها.

البيروقراطية تفرض أولوياتها

ويتطرق التقرير أيضاً إلى دور مركز المعلومات الوطني، المزود الرئيسي للحلول التقنية للوزارات والهيئات الحكومية، مشيراً إلى أن المركز كثيراً ما يستجيب لرغبة الجهات الرسمية في إضافة محتوى وعناصر متعددة داخل المواقع، حتى وإن كان ذلك على حساب سهولة الاستخدام.

ويؤكد التقرير أن النتيجة النهائية هي مواقع تخدم احتياجات المؤسسة الحكومية أكثر مما تخدم المستخدم الذي يبحث عن خدمة سريعة وواضحة.

ولهذا يصف التقرير هذه المنصات بأنها نتاج “تصميم مؤسسي” يهتم بالهيكل الإداري، وليس “تصميماً رقمياً” يضع تجربة المستخدم في مقدمة الأولويات.

“آدهار”.. الاستثناء الذي أكد القاعدة

ورغم الصورة العامة، نجح مشروع الهوية البيومترية الوطنية “آدهار” في كسر هذا النمط، ليصبح حجر الأساس لعشرات الخدمات الحكومية والخاصة في الهند.

ويعزو التقرير هذا النجاح إلى الطريقة التي أُدير بها المشروع، إذ تولى قيادته ناندان نايلكاني، أحد مؤسسي شركة “إنفوسيز”، بعد حصوله على صلاحيات واسعة تعادل صلاحيات وزير، ما منحه القدرة على اتخاذ القرارات بعيداً عن القيود البيروقراطية المعتادة.

كما استعان بفريق يضم نخبة من الخبراء والمتخصصين، بينهم تقنيون عملوا في وادي السيليكون، واعتمد على الحافز الوطني لجذبهم إلى المشروع، رغم أن الرواتب الحكومية لم تكن تضاهي ما يعرضه القطاع الخاص.

ويرى التقرير أن نجاح “آدهار” لم يكن نتيجة اختلاف التكنولوجيا المستخدمة، بل اختلاف طريقة الإدارة وصنع القرار. ومع ذلك، بقيت التجربة حالة استثنائية، إذ لم تتمكن المؤسسات الحكومية الأخرى من تكرارها بسبب استمرار الثقافة البيروقراطية التي ما زالت تفرض أسلوبها على معظم مشاريع التحول الرقمي في الهند.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب