وفاء المهدي… المرأة الحديدية التي صنعت مدرسة مختلفة ورفعت القبس المنير إلى مصاف المؤسسات النموذجية
أخبار سودان إكسبريس
بقلم: مي عصام
تشكل مدارس القبس المنير واحدا من النماذج التعليمية التي استطاعت أن تبني لنفسها مكانة معتبرة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، منذ تأسيسها على يد صاحب فكرتها ومؤسسها الذي طرح رؤية تعليمية تستند إلى الدمج بين الانضباط، التطوير، البيئة الجذابة، والعمل الإداري المحكم. وجاء إنشاء مدارس القبس المنير استجابة لحاجة ملحة في المجتمع السوداني والمصري معا، حيث وضعت الإدارة منذ البداية فلسفة واضحة تقوم على الجمع بين الجودة الأكاديمية، والتربية السلوكية، والاهتمام الحقيقي بالطالب والأسرة، مع خلق بيئة تعليمية ذات طابع متكامل.
وقد تطورت المدرسة عبر فروعها المختلفة، خصوصا فرع المهندسين، الذي أصبح علامة بارزة بفضل إدارة وكيلته العامة ومديرة القسم العربي أستاذة وفاء المهدي، تلك الشخصية المعروفة بقوتها الإدارية، ذهنها الحاضر، حرصها الشديد على التفاصيل الدقيقة، وقدرتها على خلق بيئة تعليمية تتميز بالنظام، الجمال، والرقابة الدقيقة.
وتأتي أهمية هذا التقرير في أنه يلقي الضوء على الدور الذي قامت به مدارس القبس المنير مؤخرا في إطار مسؤوليتها المجتمعية عبر مشاركتها في مبادرة الإدارة العامة للتعليم الخاص لدعم مراكز إيواء الفاشر، مع تقديم قراءة معمقة لطريقة الإدارة، وهيكل العمل، وفلسفة المدرسة التي تقف وراء نجاحها وسمعتها المتنامية.
خلفية عامة عن مدارس القبس المنير
منذ تأسيسها، ركزت مدارس القبس المنير على بناء نموذج تعليمي يوازن بين الجانب الأكاديمي والتربوي. لم يكن الهدف إنتاج مدرسة تنافس في المناهج فقط، بل تقديم مؤسسة ذات عمق تربوي وإنساني، تراعي الأخلاق، المهنية، والتعامل الراقي مع الطلاب وأسرهم. ولأن الفكرة الأساسية للمؤسس كانت تدور حول مفهوم المدرسة الشاملة… المدرسة التي تخلق سلوكا، وتنتج معرفة، وتستثمر في الطالب كإنسان قبل أن يكون متلقيا للمعلومة… فإن المدرسة اعتمدت نهجا يرسخ قيم المسؤولية والانضباط، والدقة في الاختيار، والمتابعة اليومية المستمرة.
وقد شهدت المدرسة توسعا ملحوظا عبر فروعها المختلفة، خصوصا فرع المهندسين في القاهرة، الذي أصبح مركز ثقل إداري وتربوي بفضل قيادة أستاذة وفاء المهدي التي ستتناولها الفقرات القادمة بشكل موسع.
القبس المنير في قلب العمل الإنساني
شاركت مدارس القبس المنير – السودان في مبادرة الإدارة العامة للتعليم الخاص الهادفة إلى دعم مراكز الإيواء بمدينة الفاشر عبر تقديم مساهمات إنسانية للأسر والطلاب المتضررين من الأحداث الإنسانية. وقد مثل المدرسة في هذه المبادرة المدير العام أستاذ محمد عبد الله الذي أكدت بدوره التزام القبس المنير بالوقوف مع المتضررين انطلاقا من رسالتها الأخلاقية ومسؤوليتها المجتمعية.
جاءت مشاركة المدرسة في وقت حساس تشهده الفاشر، إذ تعاني المدينة من آثار كارثية للأحداث الأخيرة التي تسببت في نزوح عدد كبير من الأسر، مما تطلب دعما مباشرا وسريعا. وفي هذا السياق لم يقتصر دور المدرسة على تقديم مساهمة رمزية، بل اعتبرته جزءا أصيلا من رسالتها الإنسانية والتربوية، باعتبار أن التعليم لا يمكن فصله عن الواقع الاجتماعي، وأن المدرسة ليست كيانا منعزلا بل جزءا من بنية المجتمع العام.
وتأتي المبادرة تعزيزا لقيم التكافل، وتأكيدًا للدور الداعم الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات التعليمية الخاصة عند الأزمات… فدعم الأسر، والطلاب، والبيئات المضطربة، لا يعد مسألة خيرية فحسب، بل مسؤولية حقيقية تمارسها المدرسة بوصفها مؤسسة تمتلك قدرة على التأثير والإنقاذ.
المرأة الحديدية التي صنعت مدرسة مختلفة
يعد فرع المهندسين أحد أهم فروع مدارس القبس المنير، ويقف خلف هذا النجاح اسم بارز: أستاذة وفاء المهدي، الوكيلة العامة ومدير القسم العربي. شخصية تعرف في الوسط التعليمي بأنها “المرأة الحديدية”… امرأة قوية، صارمة، ذكية، حاضرة الذهن، دقيقة في التفاصيل، وقريبة من كل مفاصل المدرسة اليومية.
الإنجازات والمهام
وضعت خطط أكاديمية متكاملة لمعالجة تعثر الطلاب في المواد الأساسية، وأسهمت هذه الخطط في رفع المستوى الأكاديمي للطلاب. تم تعميمها على جميع الفروع، فتحت باب استقبال حالات صعوبات التعلم والحالات الخاصة تحت إشراف إخصائيين محترفين، كما تم تطبيق نظام الدمج بجميع الفروع، رسخت مبدأ هيبة الهوية من خلال الاهتمام بالزي الرسمي، واختارت اللون الأزرق لرمزيته في القوة والاتزان، وتم تطبيقه على مستوى الفروع، اعتمدت لنفس اللون في زي الطلاب لقناعتها بميزاته ودلالاته، استقطبت كوادر مؤهلة وذات خبرة للمؤسسة التعليمية، أسست مشغلًا يدويًا ومعرضًا للرسم، وركزت على تنمية مواهب الطلاب في المجالات المختلفة، اهتمت بالأنشطة الوطنية، وأسست أول كورال على مستوى القاهرة شارك في مسرح الجمهورية ضمن احتفائية (شكرا مصر)، وضعت خططًا غير مسبوقة للفصول الممتحنة خلال فترات المعسكرات، ما أثمر عن نتائج تفوق ملحوظة.
معسكرات الامتحانات هي خطة أستاذة وفاء وتُطبق في جميع الفروع من القاهرة إلى أسوان، شاركت في لقاءات تلفزيونية وإذاعية متحدثة باسم مدارس القبس المنير، وضعت خططًا مستمرة للقاءات دورية مع أولياء الأمور، أنشأت ندوات لتأهيل الأسر في التربية والمتابعة المنزلية، وضعت خطة دقيقة لمتابعة الدفاتر، ويتم تطبيقها بجميع الفروع، حرصت على إبراز الأنشطة التعليمية في كل الفروع.
النتائج الأكاديمية
إذاعة أسماء 5 طلاب على مستوى السودان في المرحلة المتوسطة، وأكثر من 400 طالب أحرزوا مجموع 250 فما فوق في مختلف الفروع خلال العام الماضي، إلى جانب إنجازات عديدة في الأعوام السابقة، إذاعة أسماء 5 طلاب على مستوى السودان في الصف السادس، وأكثر من 500 طالب أحرزوا مجموع 200 فما فوق في جميع الفروع.
التحفيز والتطوير
تعتمد وفاء المهدي على التحفيز الأكاديمي عبر دفاتر الطلاب والأنشطة المفيدة مثل “ركوب الخيل”، إضافة إلى التحفيز المعنوي بالهدايا تقديرًا لتميزهم، تعتبر برنامج “حكاوي رمضان” من أكثر البرامج التي ترى أنها تحفز الطلاب وتنمي مواهبهم، تهتم اهتمامًا خاصًا بالبرتوكول والجانب الفني لقناعتها بأنهما عنصران مهمان في تنظيم هيبة المؤسسة وتعزيز العلاقات العامة، تضع خططًا تدريبية للمعلمين والمشرفين، تشمل محاضرات دورية يقدمها إخصائيون ومدربون محترفون، أنشأت مكتبًا خاصًا بمتابعة الدفاتر، ومن مهامه مقابلة أولياء الأمور عند وجود تقصير في متابعة الطالب لدفاتره.
العلاقة مع أولياء الأمور
تحرص على بناء علاقة طيبة ودائمة معهم، كونهم حلقة وصل أساسية، وتحرص على النقاش معهم بوضوح وشفافية فيما يخص أبنائهم.
الاحتفالات والهوية الثقافية
تهتم اهتمامًا كبيرًا بالاحتفالات المدرسية، وتحرص على أن يكون المحتوى منظمًا وهادفًا، يتم تدريب الطلاب مسبقًا لتقديم فقرات مميزة تعكس مواهبهم، مع الاهتمام الدائم بإبراز التراث السوداني في هذه الفعاليات.
إدارة التفاصيل الدقيقة
وفاء المهدي لا تترك تفصيلا يمر دون متابعة… من اختيار المعلمين، إلى شكل الممرات… من تقييم السلوكيات اليومية للطلاب، إلى متابعة مظهر الكادر التعليمي. تهتم بأن يكون كل موظف واجهة مشرفة للمؤسسة من حيث الشهادات، التطوير، الخبرة، والمظهر، وتعمل يوميا على متابعة الالتزام بالمظهر الأنيق الذي أصبح جزءا من الهوية العامة للمدرسة.
رقابة لصيقة على الأقسام والطلاب والأسر
تولي وفاء المهدي اهتماما خاصا بالجانب التربوي قبل الأكاديمي. فهي تؤمن بأن السلوك مقدمة لا يمكن تجاوزها في العملية التعليمية. لذلك تتابع سلوكيات الطلاب، علاقاتهم، تفاعلهم داخل المدرسة، وتهتم بالتواصل المباشر مع أسرهم وضمان جودة التواصل بين المدرسة والمنزل. وهذا ما جعل الكثير من الأسر تطمئن إلى المدرسة بوصفها بيئة آمنة تربويا وسلوكيا.
بيئة جمالية متكاملة
من أبرز ما يميز إدارة وفاء المهدي أنها تهتم بالبيئة المكانية للمدرسة بشكل استثنائي. فهي تعمل على تهيئة المكان يوميا، من مدخل الاستقبال وصولا إلى أبعد ركن داخل المدرسة.
تهتم بالنظافة، جودة الأثاث، جمالية الديكور، تدرجات الإضاءة الحديثة، توزيع الزهور، اللوحات، المجسمات، وتعتبر أن البيئة الجميلة جزء من تكوين الطالب النفسي، وليست مجرد عنصر ديكوري.
فريق عمل محترف
تقوم وفاء المهدي بإنشاء وتطوير فرق عمل منضبطة، مدربة، ومؤهلة… وتحرص على تدريب مستمر للمعلمين وتحديث أساليبهم، مع المتابعة الدقيقة لأدائهم داخل الفصول.
مدرسة مواكبة للعالمية
بفضل هذه الإدارة المحترفة أصبح فرع المهندسين وغيره من الفروع صرحا تعليميا مواكبا للمعايير الحديثة، يجمع بين التعليم، الجمال، الانضباط، والسلوك القويم. لذلك أصبح اسم القبس المنير يرتبط بالجودة، المتابعة، والبيئة المتكاملة.
رؤية أوسع من مدرسة… مشروع تربوي يمتد للمجتمع
يعكس نموذج القبس المنير فكرة المدرسة التي لا تكتفي بإعطاء الدروس، بل تبني الإنسان. وهذا ما ظهر في مبادراتها المجتمعية مثل مبادرة الفاشر، وظهر أيضا في نظامها الإداري الذي يعطي قيمة كبيرة للسلوك، الجمال، التنظيم، والمتابعة اليومية الدقيقة.
كما يعكس النموذج فهما معاصرا لدور المؤسسات التعليمية الخاصة في السودان ومصر، وهو أن المدرسة ليست مؤسسة ربحية كما يظن البعض، بل تصبح مؤسسة مؤثرة عندما تتحمل مسؤوليتها المجتمعية بصدق، وتعمل على بناء قيم إيجابية تدعم المجتمع في أحلك الظروف.
تقدم مدارس القبس المنير مثالا ملهما لمؤسسة تعليمية تعي دورها الحقيقي، ليس فقط داخل الفصول، بل داخل المجتمع بأكمله. ومبادرتها الأخيرة لدعم مراكز إيواء الفاشر تضعها في مقدمة المؤسسات التي تمارس التعليم كرسالة، وتترجم الأخلاق إلى فعل، وتربط بين ما تعلمه داخل المدرسة وما تقدمه للمجتمع خارجها.
ومع الإدارة القوية التي تمثلها أستاذة وفاء المهدي، والنهج الإنساني الذي تبنته المدرسة، أصبح القبس المنير علامة مضيئة في واقع يحتاج بالفعل إلى النماذج الجادة والمسؤولة.
