آخر الأخبار

“المسافة التداولية”.. هل تُضيء الرقمنة العتمة الإجرائية؟

بقلم: الأستاذ النذير السر

في مقالنا السابق، تناولنا فلسفة “السلطة التقديرية” وكيفية مواءمتها لخدمة العدالة الناجزة، غير أن الواقع الإجرائي المعقد يكشف لنا عن ثغرة هيكلية تتجاوز حدود التقدير لتصل إلى صلب العملية الإجرائية؛ إنها المساحة الرمادية التي تكتنف مسار التحريات، والتي يمكن تسميتها بـ”المسافة التداولية” للملفات بين أقسام الشرطة وردهات النيابات.

هذه المسافة، ورغم أنها تبدو في ظاهرها مجرد إجراء إداري لنقل الأوراق، إلا أنها تمثل في الجوهر تحدياً حقيقياً؛ إذ تخضع لقواعد النظام الورقي التقليدي الذي لم يعد يواكب تعقيدات العصر، مما يخلق بيئة قد تسمح بتعثر الملفات وتأخير الحقوق، أو تعطل وصول المستندات الجوهرية في رحلة الانتقال بين المؤسسات العدلية والقانونية.

إن إشكالية “المسافة التداولية” تكمن في وقوعها ضمن “فراغ رقابي مؤسسي”، نتيجة الاعتماد الكلي على حركة الملفات اليدوية التقليدية، مما يجعل البلاغ عرضة لـ”البطء الإجرائي” وتدخلات ضاغطة قد لا يقوى من يقوم على أمرها بمقاومتها، وفقاً لدرجته الوظيفية الدنيا.

ولا تتوقف الخطورة هنا عند تعطل المستندات فحسب، بل تمتد لتشمل الحاجة الملحة لتحديد أدق لمفهوم المسؤولية الوظيفية؛ فعندما يختفي ملف قضية ما وسط هذا “السيرك الإداري اليدوي”، تبرز آلية قد تكتفي بمعالجة القشور عبر محاسبة صغار الموظفين، وهم الذين يجدون أنفسهم في مواجهة ضغوط إجرائية تفوق صلاحياتهم المحدودة، وتفتقر لغطاء من الرقابة المباشرة من قِبل المستويات الإشرافية العليا.

إن معالجة الخلل بوصفه “إهمالاً فردياً” لا يعوض الشاكي عن تعثر قضيته؛ فمطالبة الشاكي بفتح البلاغ من جديد تمثل هدراً للجهد والوقت كان يمكن تلافيه، وقد تُسهم فعلياً في تشتيت الأدلة المادية. هنا، تقع كلفة التحدي الإجرائي على عاتق النظام التقليدي الذي يضع الموظف البسيط في مواجهة ثغرات المنظومة التي لا يد له فيها.

لذا، فإن الإصلاح المنشود يستوجب تحويل المسؤولية الإدارية إلى “مسؤولية رأسية شاملة”، بحيث تضطلع القيادات الإدارية بمسؤولية سلامة التدفق الإجرائي للملفات في دائرة اختصاصهم.

إن إرساء هذا المبدأ يشكل الضمانة الأسمى لحماية قدسية البلاغ من أي تدخلات جانبية، كما يمثل حماية إجرائية وقانونية لصغار الموظفين وضباط الصف؛ إذ تمنع الشفافية الإدارية الصارمة وقوعهم تحت وطأة ضغوط أو إملاءات قد تضطرهم – طوعاً أو كدفع للضرر – للمشاركة في ثغرات إجرائية ليسوا أصحاب مصلحة حقيقية فيها.

إن الهدف الجوهري من الرقابة هنا هو تحصين مسار العدالة، وجعل البلاغ وثيقة مصانة بقوة النظام، مما يرفع كلفة العبث الإجرائي عن كاهل الموظف البسيط ويضعها في عهدة المنظومة الإشرافية المسؤولة قانوناً وأخلاقاً أمام المجتمع والدولة.

ويتجسد المخرج التقني في بناء “نافذة إلكترونية موحدة” تربط أقسام الشرطة بالنيابة العامة لحظياً، بحيث يُحوَّل البلاغ إلى “سجل رقمي” مشفر، يوضح مسار الملف بدقة متناهية لا تقبل التأويل.

وعلاوة على ذلك، فإن الشفافية تقتضي منح أطراف النزاع حق “التتبع الرقمي”، مما يغنيهم عن كلفة الانتظار الطويل أو السعي خلف المساعي الجانبية غير القانونية. كما أن هذا النظام سيوفر منصة رقابية عليا تُصدر “تنبيهات ذكية” في حال توقف أي بلاغ، مما يفرض رقابة آلية محايدة تتجاوز الاعتبارات الشخصية، وتجعل من تسريع العدالة هدفاً تقنياً مرصوداً ومؤشراً للأداء المؤسسي الناجح الذي لا يقبل التبرير حيال التقصير.

ختاماً، إن تعزيز الثقة في المنظومة العدلية يمر عبر تضييق المسافات الرمادية وتفعيل المسؤولية القيادية الصارمة في كافة المستويات.

إن التحول نحو “العدالة الرقمية” هو الضمانة الحقيقية لإغلاق ملف “المسافة التداولية” التي استُهلكت فيها الأوقات والضمائر. إننا بحاجة ماسة إلى تطوير إجرائي يرسخ الشفافية المؤسسية، ويجعل من ملف القضية وثيقة محمية تقنياً، وصولاً إلى واقع يتساوى فيه الجميع أمام منصة القضاء العادلة، وتُسترد فيه الحقوق عبر أنظمة مؤتمنة تتجاوز القصور التقليدي وتفتح آفاقاً جديدة ورحبة للعدالة الناجزة.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب