رئيس الوزراء الذي نسي المواطن
أخبار سودان إكسبريس
بقلم – حسام الدين كرنديس
منذ تعيين رئيس الوزراء كامل إدريس، كان الشارع السوداني يدرك تماما حجم الكارثة التي ورثها الرجل. دولة في حالة حرب، اقتصاد منهار، خدمات شبه معدومة، ومواطن يعيش تحت ضغط يومي لا يحتمل. لذلك لم يكن سقف التوقعات عاليا، ولم ينتظر الناس المعجزات، بل خطوات حقيقية تخفف شيئا من هذا الانهيار الكبير.
في ذلك الوقت، كان كثيرون يعتقدون أن الرجل قد ينجح على الاقل في إدارة الملفات الخدمية والمعيشية بصورة مختلفة، وأنه سيضع اولوياته في المكان الصحيح. لكن ما حدث حتى الآن يطرح اسئلة مقلقة حول فهم رئيس الوزراء نفسه لطبيعة الدور الذي جاء من أجله.
بدلا من الانشغال بالكهرباء والمياه والغلاء والضرائب والجبايات وانهيار الخدمات، بدا وكأن رئيس الوزراء منشغل بجولات خارجية لا يعرف المواطن السوداني ماذا عادت عليه من فوائد حقيقية
زيارة إلى إريتريا انتهت بمشهد محرج بعد الهتاف لرئيسها بصورة اعتبرها كثيرون اختراقا للبروتوكول وإساءة لصورة المنصب، ثم زيارة إلى المملكة العربية السعودية لم ينتج عنها اختراق اقتصادي واضح، ولا لقاءات مؤثرة يمكن البناء عليها، ثم زيارتان إلى مصر دون نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
السؤال البسيط الذي يطرحه الناس: ما الذي استفادته الدولة من كل هذه الرحلات غير تكاليف السفر والإقامة والوفود، في وقت تعاني فيه الخزينة من أسوأ ظروفها؟
المنطق يقول إن أي تحرك خارجي في هذا التوقيت يجب أن يكون اقتصاديا بالدرجة الاولى، قائما على جلب استثمارات، توقيع شراكات، فتح فرص دعم حقيقية، أو تخفيف معاناة المواطن.
اما الزيارات البروتوكولية والصور والتصريحات، فهي لا تعني شيئا لمواطن يجلس في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء، أو عاجز عن شراء احتياجات أسرته بسبب الغلاء المرعب.
رئيس الوزراء تحدث عن الجبايات، لكنها ما زالت تخنق المواطن والتاجر. تحدث عن فساد المعابر، لكن الواقع لم يتغير. تحدث عن الضرائب، لكن المواطن لم يشعر بأي تخفيف. تحدث عن الإصلاح، لكن الخدمات في الخرطوم و أغلب الولايات تتراجع بصورة مخيفة، خصوصا بعد توليه رئاسة الوزراء.
حتى ملف العودة الطوعية الذي كان يفترض أن يكون من اولويات الحكومة المدنية، ما زال يدور في دائرة التصريحات دون تنفيذ حقيقي على الأرض. المواطن الذي عاد إلى الخرطوم وجد مدينة منهكة، خدماتها ضعيفة، وبنيتها الأساسية مدمرة، بينما الحكومة تبدو غائبة عن المشهد.
المشكلة ليست فقط في ضعف النتائج، بل في ضياع الاولويات. السودان اليوم لا يحتاج إلى رئيس وزراء يجوب العواصم بحثا عن الظهور السياسي، لكن يحتاج إلى مسؤول يغلق باب مكتبه على ملفات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق والجسور والجبايات. يحتاج إلى رجل دولة يعرف أن نجاحه الحقيقي يقاس بقدرة المواطن على العيش بكرامة، و ليس بعدد الصور في المطارات وصالات الاستقبال.
ملف العلاقات الخارجية له مؤسساته ووزارته المختصة، بينما المواطن ينتظر من رئيس الوزراء حضورا أقوى داخل الملفات الخدمية والاقتصادية، وحتى على مستوى الأداء الدبلوماسي، فإن فريق المراسم التابع لمكتبه لم يقدم صورة احترافية تليق برئاسة الوزراء، ما زاد من حجم الانتقادات والسخرية في بعض المحطات.
السودانيون لم يكونوا ضدك منذ البداية، بل على العكس، كثيرون حاولوا منحك فرصة كاملة، لأنهم يدركون صعوبة المرحلة، لكن المشكلة أن المواطن حتى الآن لا يرى شيئا يمكن أن يدافع به عن حكومتك أو يبرر استمرار هذا الأداء.
يا كامل إدريس، هل تعلم فعلا لماذا جئت إلى هذا المنصب؟ وهل تدرك ما الذي ينتظره الناس منك؟ لماذا سعيت لسنوات إلى هذا الموقع إذا كنت عاجزا عن تقديم الحد الادنى من الحلول؟
السوداني لا يريد خطابا سياسيا طويلا، ولا جولات خارجية بلا نتائج، ولا وعودا تتجاوزها حكومتك نفسها بعد أيام. المواطن يريد كهرباء مستقرة، ومياها، ومستشفى يعمل، وطرقا صالحة، وتعليما محترما، ووقفا حقيقيا للجبايات والضرائب التي أنهكت الناس.
فهل تملك حكومتك مشروعا واضحا لذلك؟ وهل هناك خطة حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ وهل يستطيع المواطن أن يرى خطوة واحدة تجعله يتمسك ب(الأمل) ويرضى عنها ؟ أم أن المشهد سيظل مجرد وعود و تصريحات تتكرر بينما تتسع معاناة الناس كل يوم؟
