موقع سودان إكسبريس

بقلم – حسام الدين كرنديس
أصبح تدهور العملة السودانية واقعا يضغط مباشرة على حياة المواطن ويهدد ما تبقى من قدرته على توفير احتياجاته الأساسية ومع تجاوز سعر الدولار حاجز 7000 جنيه سوداني وتجاوز الجنيه المصري 150 جنيها سودانيا، بات السؤال أكبر من سعر الصرف نفسه، إلى أين يمضي الاقتصاد السوداني ومن يتحمل مسؤولية هذا الانهيار؟
الحرب أرهقت الدولة ودمرت قطاعات واسعة من الاقتصاد وأثرت على الإنتاج والتجارة والاستثمار، لكن استمرار التدهور الاقتصادي لا يمكن تفسيره بالحرب وحدها. فالدولة التي تخوض حربا تحتاج إلى إدارة اقتصادية أكثر صرامة وإلى قرارات واضحة لا تخضع للمجاملة السياسية أو توازنات الأحزاب والحركات المسلحة.
اضغط هنا لمتابعة قناة واتساب سودان إكسبريس
المشكلة ليست في شخص وزير المالية وحده، وإنما في معيار اختيار المسؤول و كيفية محاسبته، المنصب العام ليس مكافأة سياسية ولا ينبغي أن يكون محكوما بعلاقة المسؤول برئيس أو حزب أو حركة مسلحة، الوزير أو الوالي أو السفير أو رئيس الوزراء الذي يفشل في أداء مهمته يجب أن يخضع للتقييم والمحاسبة، وإذا ثبت عجزه عن إدارة مسؤولياته، فإعفاؤه يصبح قرارا طبيعيا لحماية المصلحة العامة.
السودان دفع ثمنا باهظا نتيجة إنشاء قوة عسكرية موازية للقوات المسلحة، ولا يحتمل تكرار التجربة تحت أي مسمى. كما أن تنفيذ اتفاق جوبا للسلام يحتاج إلى مراجعة جادة عندما يتعارض أي بند فيه مع بناء دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات وطنية موحدة. السلام الحقيقي لا يعني توزيع المناصب والامتيازات، وإنما يعني إنهاء أسباب الحرب وبناء دولة يشعر فيها المواطن بأن القانون فوق الجميع.
وفي ظل الضغوط السياسية والعسكرية، لا ينبغي أن يتحول الاقتصاد إلى ورقة تفاوض بين القوى المختلفة. فالمواطن السوداني هو الذي يدفع ثمن الصراع عندما ترتفع الأسعار وتتراجع قيمة مدخراته، وتتآكل رواتبه، وتصبح السلع والخدمات بعيدة عن قدرته على الشراء.
كما أن الحديث المستمر عن التهميش والهامش لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم للمطالبة بالسلطة أو الامتيازات. السودان كله عانى، من الخرطوم والجزيرة وسنار إلى دارفور وكردفان والشرق والشمال، ولا توجد منطقة احتكرت معاناة الحرب أو الفقر. العدالة المطلوبة هي عدالة المواطنة، وليست محاصصة جديدة بين النخب السياسية والعسكرية.
ومن هنا تأتي مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية، وفي مقدمتها رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء، في اتخاذ قرارات تتجاوز الحسابات الضيقة. ففرض هيبة الدولة لا يعني إقصاء أحد، وإنما يعني إخضاع الجميع للقانون، ومنع أي مسؤول أو كيان سياسي أو عسكري من استخدام السلاح أو النفوذ لفرض إرادته على المواطنين.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هل أصبحت المناصب والامتيازات شرطا لمشاركة بعض الحركات في الدولة أو الحرب؟ وهل يمكن أن تكون المصلحة الوطنية رهينة لمواقف قوى سياسية أو عسكرية؟ وهل إقالة مسؤول فشل في مهمته يمكن أن تصبح قضية تهدد تماسك التحالفات، بينما ينهار اقتصاد البلاد أمام أعين الجميع؟
آخر الكلام
يحتاج السودان في هذه المرحلة إلى دولة تقيس المسؤول بالكفاءة والنتائج، وتحاسب المقصر مهما كان اسمه أو موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.
انهيار الجنيه هو انعكاس مباشر لحياة ملايين السودانيين. وإذا كانت الحرب قد فرضت على البلاد واقعا استثنائيا، فإن ذلك يجعل الحاجة إلى الإدارة الرشيدة والمحاسبة أكبر من أي وقت مضى.
لا حزب فوق الدولة، ولا حركة مسلحة فوق القانون، ولا مسؤول فوق المحاسبة، ولا اتفاق سياسي فوق مصلحة المواطن. ويجب ألا يصبح الحفاظ على المنصب أهم من إنقاذ الاقتصاد.

