«ابن ناس… وقاطع طريق» (2-3)
أخبار سودان إكسبريس
مقال بقلم: عماد البشرى
لم أعرف بلدًا غابت فيه فكرة حسن اختيار التنفيذي كما هو الحال في السودان. فالتنفيذي ليس مجرد موظف يحمل درجات علمية يظن كثيرون أنها وحدها مبرر كافٍ لتولي المناصب، بل إن الأمر يتعلق بقدرات وسمات مهمة لا بد من توفرها.
هذه الأيام انطلقت حملة كبيرة ضد السيد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، تتهمه بعدم الإنجاز والعجز عن تحريك المياه الراكدة في ملف الخدمات، حتى إن بعض الناس بات يحن إلى لجنة إبراهيم جابر وينسب إليها فضل بداية الحركة الأولى في عودة الخرطوم.
قضية كامل إدريس تمثل جوهر هذا المقال. أذكر أنني يوم تعيينه رئيسًا للوزارة صككت وجهي وقلت: الرجل مهذب، عفيف اليد واللسان، ومحترم جدًا، لكنه “عجوز العطاء”، مستلب الوجدان، وبعيد تمامًا عن السودان. فرحلته الطويلة داخل أروقة الأمم المتحدة، ومعاشرته للخواجات، جعلته مزيجًا من “السودنة” و”الخوجنة”، ينظر للحياة من سطح الكاريبي ناسياً أمواج النيل وتقلبات دميرته.
كامل يصلح أن يكون ضمن وفد يذهب إلى عشاء فاخر بدعوة من إحدى السفارات، مرتديًا بدلته الإيطالية الفخيمة، يحدث الناس عن حقوق الموناليزا واللوفر ولوحاته، أو عن كيفية حفظ الملكية الفكرية لحقوق ماركيز وكيتس، وموسيقى موتسارت.
لكن أن تأتي به ليحل أزمة كهرباء الجخيس، فهذا ظلم أولًا له، ثم للبلد، ثم للتاريخ.
نعم، السودان لا يصلح أن يديره رجل جاء من الخارج، ولو كان ماو تسي تونغ نفسه. السودان يحتاج إلى رجل من هذا البلد، يخرج بنفسه إلى الأسواق، ويعرف مرارة الاحتياج وقسوة الفاقة على المواطن. رجل لا يهمه أن يظهر أمام الكاميرات في أبهى صورة، أو أن يبدو قريبًا من الشعب في المشاهد المصنوعة، بل رجل يعمل لبناء البلد، وهو الأدرى بشعاب الأزمة وتفاصيلها.
وهنا تطل أزمتنا الأولى، وسبب كل هذه الآلام: غياب “السيستم” المؤسسي. فنحن نحتاج إلى دولة مؤسسات حقيقية، لا يهم فيها إن ذهب البشير أو البرهان أو أي شخص آخر. فالتاريخ يذهب بالناس، لكن يبقى الأثر، والأثر هنا هو المؤسسة فقط.
إن التفكير في أن جابر أو غيره وحدهم القادرون على قيادة البلد نحو النماء، هو محض جهل بفكرة بناء الأوطان. فالأمم لا تقوم على الشخوص، بل على الأفكار والمؤسسات، ومعها حسن اختيار أبناء الناس الذين يديرون هذه المؤسسات بمنتهى التجرد والنزاهة والصدق. غير ذلك، سنظل ندور في فلك المهازل، وما نشاهده اليوم من تهريج بصري كبير في الساحة.
وبالمناسبة، لا أزال حتى الآن غير مستوعب لقصة الحوار بين بائع الأقاشي والدكتور كامل إدريس، ولا القصص الأخرى…
وما زال قلبي على وطني…
نواصل.
