بقلم: ليمار وليد
في عالم تتغير فيه التحالفات الإقليمية والدولية بوتيرة متسارعة، أصبحت العلاقات الدولية إحدى أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لحماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي ظل الأزمة السودانية المستمرة منذ عام 2023، برزت العلاقات السودانية التركية باعتبارها من أكثر العلاقات الإقليمية استقرارًا، حيث واصلت أنقرة تأكيد دعمها لوحدة السودان وسيادته، مع استمرار التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني بين البلدين.
وشهدت الأشهر الأخيرة سلسلة لقاءات رسمية بين مسؤولين سودانيين وأتراك، كان أبرزها استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لكل من رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في العاصمة أنقرة، حيث ناقش الطرفان سبل تطوير العلاقات الثنائية، إلى جانب مستجدات الأزمة السودانية، وملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى دعم جهود السلام وإعادة الاستقرار.
وأكدت الرئاسة التركية خلال تلك اللقاءات أن موقف أنقرة ثابت تجاه السودان، ويتمثل في دعم سيادته ووحدة أراضيه ورفض أي خطوات تؤدي إلى تقسيم البلاد أو تهدد استقرارها. كما شددت على أهمية التوصل إلى حل سياسي دائم ينهي معاناة المدنيين ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والتنمية.
وتأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه السودان إلى إعادة بناء علاقاته الخارجية مع الدول الصديقة، واستقطاب الاستثمارات والشراكات الاقتصادية التي يمكن أن تسهم في تجاوز آثار الحرب. وتُعد تركيا من الدول التي تمتلك حضورًا اقتصاديًا ملحوظًا في إفريقيا، حيث تعمل شركاتها في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعات التحويلية، وهو ما يمنحها فرصة للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار داخل السودان مستقبلًا.
ولا يقتصر التعاون بين البلدين على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى المجال الإنساني، إذ واصلت المؤسسات التركية تقديم مساعدات إنسانية للمتضررين من الحرب، إلى جانب دعم المبادرات الإغاثية التي تستهدف المدنيين، وهو ما يعكس استمرار البعد الإنساني في السياسة التركية تجاه السودان.
كما أن الموقع الجغرافي للسودان يمثل أهمية إستراتيجية بالنسبة لتركيا، في ظل اهتمامها المتزايد بمنطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، باعتبارهما من أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم. ومن ثم فإن استقرار السودان لا يمثل مصلحة سودانية فقط، بل يرتبط أيضًا باستقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يفسر استمرار الحضور التركي في الملف السوداني.
ويرى مراقبون أن العلاقات السودانية التركية تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة، حيث يحتاج السودان إلى شركاء يمتلكون الخبرة والاستثمار والقدرة على المساهمة في إعادة الإعمار، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في القارة الإفريقية من خلال شراكات طويلة الأمد تقوم على التعاون وليس الصراع.
وفي المقابل، تواجه هذه العلاقة عددًا من التحديات، أبرزها استمرار الحرب، وتأثيرها على البيئة الاستثمارية، وصعوبة تنفيذ المشاريع الكبرى في ظل الأوضاع الأمنية الحالية. كما أن تعقيد المشهد الإقليمي يجعل من الضروري المحافظة على توازن العلاقات مع مختلف الأطراف، بما يحقق المصالح المشتركة ويحافظ على استقلال القرار الوطني.
وإذا استمرت المؤشرات الحالية، فمن المرجح أن تشهد العلاقات السودانية التركية مزيدًا من التعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتعليم، والتدريب، وإعادة الإعمار، خاصة بعد انتهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة لاستقرارها. أما في حال استمرار الأزمة، فمن المتوقع أن يظل التعاون قائمًا، مع تركيز أكبر على الجوانب الإنسانية والدبلوماسية، إلى حين تهيئة الظروف المناسبة لتوسيع الشراكة الاقتصادية.
إن العلاقات بين السودان وتركيا تمثل نموذجًا للعلاقات الدولية التي تجمع بين التاريخ والمصالح المشتركة، وتؤكد أن الدبلوماسية لا تقتصر على البيانات الرسمية، بل تمتد إلى الاقتصاد، والعمل الإنساني، والتنمية. وسيظل مستقبل هذه العلاقة مرتبطًا بقدرة السودان على استعادة استقراره الداخلي، وباستمرار رغبة الطرفين في بناء شراكة تحقق مصالح الشعبين، بعيدًا عن الصراعات والتجاذبات الإقليمية.
