آخر الأخبار

مصر والسودان.. تاريخ واحد في مواجهة دعاة الفتنة

بقلم – حسام الدين كرنديس
في كل مرحلة تمر بها المنطقة تظهر أصوات تحاول العبث بالعلاقات التاريخية بين الشعوب، مستغلة وسائل التواصل الاجتماعي وحملات التضليل الإعلامي لإشعال الكراهية وإثارة النزاعات. ومن بين أكثر العلاقات التي تتعرض لمحاولات الاستهداف والتشويه العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني، رغم أنها من أعمق العلاقات الإنسانية والتاريخية في المنطقة العربية والإفريقية.
هذه العلاقة لم تصنعها المصالح السياسية العابرة، ولم تفرضها حدود رسمها الاستعمار، بل تشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل الحضاري والثقافي والديني والاجتماعي. فمصر والسودان لم يكونا في يوم من الأيام مجرد دولتين متجاورتين، وإنما امتداد بشري وحضاري جمعه نهر النيل قبل أن تجمعه الخرائط والحدود الحديثة.
عندما نتحدث عن مصر فإننا نتحدث عن واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية التي مرت عليها دول وسلالات وعصور مختلفة، لكنها ظلت محافظة على مكانتها التاريخية والدينية والثقافية. وقد ورد ذكر مصر في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ومن أشهر الآيات قول الله تعالى: “وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها”، وهي الآية التي ارتبطت بذكر خيرات مصر وما تنتجه أرضها. كما ورد في قوله تعالى: “اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم”، وهو ذكر يعكس مكانة هذه الأرض المباركة في التاريخ الديني والإنساني.
شهدت مصر عبر تاريخها تعاقب حضارات ودول تركت بصماتها الواضحة على هوية البلاد. ففي العصر الأموي أصبحت مصر إحدى أهم ولايات الدولة الإسلامية، ومركزا اقتصاديا وإداريا بالغ الأهمية. ومنذ ذلك الوقت تعززت الروابط بين مصر والسودان عبر طرق التجارة والهجرات وحركة العلماء والدعاة.
ومع قيام الدولة الفاطمية دخلت مصر مرحلة جديدة من الازدهار العمراني والثقافي. فقد أسس الفاطميون مدينة القاهرة التي تحولت لاحقا إلى واحدة من أعظم مدن العالم الإسلامي. وفي عهدهم شيد الجامع الأزهر الذي أصبح منارة للعلم والدعوة الإسلامية ووجهة للطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومن بينهم أعداد كبيرة من أبناء السودان الذين ظلوا على مدى قرون يرتبطون بالأزهر تعلما وتدريسا وإقامة.
أما عصر المماليك فقد شكل مرحلة مهمة في التاريخ المصري والعربي. ففي تلك الفترة لعبت مصر دورا محوريا في حماية المنطقة من الغزو الخارجي، وتمكنت من التصدي للحملات الصليبية ومواجهة المغول الذين هددوا العالم الإسلامي بأسره. وقد شهدت مصر خلال عهد المماليك نهضة عمرانية كبيرة ما زالت آثارها شاهدة حتى اليوم في مساجد القاهرة ومدارسها وخاناتها التاريخية
ومن أبرز المعالم الدينية التي تجسد هذا الإرث الحضاري الجامع الأزهر الشريف، وقلعة صلاح الدين، ومسجد السلطان حسن، ومسجد الرفاعي، ومسجد عمرو بن العاص، الذي يعد أول مسجد بني في إفريقيا. كما تضم مصر عددا كبيرا من الأديرة والكنائس التاريخية التي تعكس طبيعة التعايش الديني الذي عرفته البلاد عبر العصور.
وفي العصر العثماني احتفظت مصر بمكانتها السياسية والدينية والاقتصادية رغم التحولات التي شهدتها المنطقة. واستمرت القاهرة مركزا للعلم والتجارة والثقافة، وظلت جسرا يربط المشرق العربي بإفريقيا، وكان السودان جزءا من هذا الامتداد الجغرافي والإنساني الذي لم تعرف حدوده الفواصل الحادة التي نشهدها اليوم.
كما تعرضت مصر لعدد من الحملات الأوروبية التي استهدفت موقعها الاستراتيجي وثرواتها ومكانتها. ومن أشهر هذه الحملات الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، والتي كشفت حجم الأطماع الأوروبية في المنطقة. ورغم ما صاحبها من جوانب علمية ومعرفية، فإنها كانت في جوهرها حملة احتلال عسكري استهدفت السيطرة على مصر وطرق التجارة الدولية.
وتبع ذلك التنافس الاستعماري الأوروبي الذي طال معظم بلدان المنطقة، بما فيها السودان. وقد أدركت القوى الاستعمارية منذ وقت مبكر أن وحدة شعوب وادي النيل تمثل عقبة أمام مشاريع الهيمنة والتفكيك، لذلك عملت على ترسيخ الحدود النفسية والسياسية بين الشعوب أكثر من الحدود الجغرافية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم بعض الحملات الإعلامية الحديثة التي تحاول بث الكراهية بين المصريين والسودانيين. فالمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ انتشار صفحات وحسابات مجهولة المصدر تنشر أخبارا تتعلق بجرائم أو مشكلات فردية، مع التركيز المتعمد على جنسية الجاني أو المجني عليه إذا كان أحدهما مصريا والآخر سودانيا. والهدف من ذلك ليس نقل الخبر أو البحث عن الحقيقة، وإنما إثارة الغضب والتحريض وخلق حالة من الاحتقان بين الشعبين.
هذه الحملات تعتمد على مبدأ معروف في الحروب النفسية يقوم على تعميم الأخطاء الفردية وتحويلها إلى صراع جماعي. فإذا ارتكب شخص جريمة يتم تصوير الأمر وكأنه يعبر عن شعب كامل، وإذا وقع خلاف فردي يتم تقديمه باعتباره دليلا على عداء بين أمتين. وهي أساليب قديمة استخدمت في مناطق عديدة من العالم لإشعال الصراعات وتفكيك المجتمعات من الداخل.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن المصريين والسودانيين عاشوا معا لعقود طويلة دون أن تمنعهم الاختلافات الثقافية أو اللهجات أو العادات من بناء علاقات إنسانية عميقة. آلاف السودانيين درسوا في الجامعات المصرية، وآلاف المصريين عملوا وأقاموا في السودان. وهناك أسر ممتدة بين البلدين، ومصالح مشتركة، وذكريات لا يمكن محوها بمنشور مجهول أو حملة إلكترونية ممولة.
كما أن التحديات التي تواجه البلدين اليوم متشابهة إلى حد كبير. فهما يواجهان مخاطر الإرهاب والتطرف والتدخلات الخارجية والأزمات الاقتصادية ومحاولات تفكيك الدول الوطنية. ولذلك فإن أي استهداف للعلاقة بين الشعبين لا يضر طرفا واحدا، بل يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
إن ما يجمع مصر والسودان أكبر بكثير من أي خلافات عابرة أو أحداث فردية. فالتاريخ المشترك يمتد لقرون طويلة، والنيل الذي يجري في أراضي البلدين ظل شاهدا على حضارة إنسانية واحدة تشكلت عبر التفاعل المستمر بين شعوب وادي النيل.
ولذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق الإعلاميين والمثقفين والناشطين وقادة الرأي في مواجهة خطاب الكراهية وكشف مصادره وأهدافه. كما تقع على المواطنين أنفسهم مسؤولية التحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات والحملات التي تستهدف العلاقات التاريخية بين الشعوب.
لقد مرت مصر بحقب تاريخية عظيمة من العصر الأموي إلى الفاطمي والمملوكي والعثماني، وواجهت حملات وغزوات ومؤامرات كثيرة، لكنها بقيت محافظة على هويتها ومكانتها. كما مر السودان بمحطات تاريخية صعبة وتحديات كبيرة، وظل محافظا على عمقه الحضاري والإنساني. وبين البلدين ظل خيط متين من الأخوة والتاريخ المشترك لا تستطيع حملات التحريض قطعه مهما اشتدت
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من المستفيد من تحويل شعبين شقيقين إلى خصمين؟ ومن الذي يسعى إلى تفكيك الروابط التاريخية بين دول المنطقة وإشغالها بصراعات جانبية بينما تتعرض ثرواتها ومواردها للاستنزاف؟ وهل يدرك أبناء وادي النيل حجم المخاطر التي تترتب على الانجرار خلف خطاب الكراهية والفتنة؟
التاريخ يقدم الإجابة بوضوح. فكلما توحدت شعوب المنطقة ازدادت قوة ومنعة، وكلما استسلمت للفرقة والنزاعات أصبحت أكثر عرضة للتدخلات الخارجية. ولذلك ستبقى العلاقة بين مصر والسودان أكبر من حملات التحريض، وأعمق من الخلافات العابرة، وأقوى من كل المحاولات التي تستهدف النيل والتاريخ والمصير المشترك.

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب