في وداع الخليفة الطيب الشيخ الجدالشيخ ودبدر : إن في ناظريه عمقا يشف عن مقصد كبير
أخبار سودان إكسبريس
في وداع الخليفة الطيب الشيخ الجدالشيخ ودبدر :
إن في ناظريه عمقا يشف عن مقصد كبير
بقلم د. عثمان البشير الكباشي
ودعت البلاد اليوم كوكبا من كواكب الإشراق ، فقد غادر دار الفناء سيدنا الخليفة الطيب الشيخ الجد الشيخ العباس خليفة الشيخ محمد ود بدر رضى الله عنه.
شرفني الله بلطيف المنح وظللت سنوات من عمري اتردد اليه في بقعته أم ضبان حيث رئاسة الطريقة البدرية القادرية .
شهدت لحظات تولي الخليفة الطيب مقام الخلافة البدرية باجماع أقطاب البيت البدري المبارك .
وتابعت بعين المحبة والتقدير عطاء الراحل في ميادين الدعوة والمجتمع والوطن ، أكتب عنها اليوم بقلم الإنصاف والتجرد شهادة في حق صالح فالح من أبناء السودان.
بقعة أم ضبان هى الإسم الذي يحلو لأهلها المعتقين ، جنبا إلى الإسم الحديث ( أم ضوا بان ) ظلت ابتداء من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وحتى يوم الناس هذا من أعظم منارات تعليم القرآن الكريم في السودان وإفريقيا ، تخرج فيها مائة ألف حافظ أو يزيدون ، لم تكن حكرا على أبناء السودان وحسب ، ولكن قصدها أبناء المسلمين من قارة إفريقيا غربيها وشرقيها ووسطها .
ومن جذوة نور أم ضبان وثمرات خلوتها العتيقة تأسست العديد من الخلوات لتحفيظ القرآن الكريم داخل وخارج السودان.
ومن معهدها العلمي الأشهر تأهل مئات العلماء الذين تولوا منابر الدعوة وحلقات العلم الشرعي ومجالس الفتوى .
لن أحصي في هذه العجالة السجادات التي تفرعت من خلافة ودبدر ، في ولاية الخرطوم وحدها الشيخ ود أبوصالح والشيخ الأمين ودبلة صقر البرزن والشيخ مصطفى الفادني والشيخ أبوكساوي والشيخ كركاب وغيرها كثير .
القرآن الكريم في مسيد أم ضوا بأن شأنه عجبا ، فلئن تعهد ربنا منزل الكتاب بتيسيره للذاكرين أبدا ، فإن الشهادات متواترة بأن الله قد زاد تيسيره في مسيد ود بدر (الرشيد ) .
تلك شهادة في حق تلك المنارة توارثتها الأجيال ، وقد حفظنا عن آباءنا قولا شهيرا لجدنا الشيخ إبراهيم الكباشي أنه قال ( القرآن في مسيد أمحمد ولدي لصيق ) أي أنه coppy paste بلغة أهل الكمبيوتر.
وقد كان جدنا الشيخ الكباشي يسبق إسم الشيخ ودبدر بصفة ولدي ، فيقول ( أمحمد ولدي ) فهما وإن تعاصرا في عهد سنار والتركية السابقة ، فإن الشيخ الكباشي أسن عمرا من الشيخ ود بدر .
وقد كان بينهما ود عظيم ، توارثته الأجيال منذ قرنين من الزمان .
وعبر عنه ود نفيسة شاعر الشيخ الكباشي فكتب على لسان جدنا الخليفة الحاج طه إبن الشيخ الكباشي وهو يخاطب الشيخ العباس ودبدر جد الراحل الخليفة الطيب الشيخ الجد :
فرش (الإكليم ) وقال للعباس
دي حلاة الليم
أنا أبوى لأبيك زى موسى كليم
لا بنخشى جور ولا من تظليم .
من يعرف حقيقة الخليفة الطيب الشيخ الجد يدرك كم هو عظيم فقد أهل السودان اليوم .
فهو سليل وأمير أسرة لها في خدمة الدين سهر وعرق في الماضي والحاضر ، وهو أيضا عالم رباني ، وداعيا إلى الله تعالى على بصيرة ، ومصلح اجتماعي ، ووطني غيور خدوم شفوق على وطنه ، واسطة عقد أهل الطريق ، وقاضي الحق والعدل ، ورمز للزهد والتجرد والمعرفة با الله.
ملأ مقام الخلافة حتى فاض ، وزاد عليه كيل بعير وأكثر .
مع مشغولياته الجليلة ، وواجباته داخل المسيد الذي لا ينقطع زواره ولا لساعة من ليل أو نهار ، ولكن الشيخ كان من أهل الوصال .
لا يتأخر عن مواكب تشييع الجنائز و مجالس العزاء وعقود القران وزيارة المرضى وتفقد الأحباب وزياراتهم ولو كان ذلك على حساب صحته وجسده الذي أنهكته التكاليف وأحاطت به الأمراض ولكنها لم تنل من روحه قط ، هاديه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لو دعي لكراع لأجاب ، ولو أهديت إليه كراع قبلها .
له في كل مجلس صلح كلمة نافذة وحكم مقبول مهما تشعبت الخصومات ، وفي كل مجمع علم فتوح ومعارف ، وفي كل لحظة صفاء لطائف تزكي النفوس وتهدي الحيارى وتدلهم بلسان الحال والمقال إلى طريق الرجعى إلى الله تعالى.
متواضع بسيط في مظهره وملبسه ، يؤانس الجميع ويلاطفهم ، ولاغرابة في ذلك فهو حفيد من تكنى بأمه فشاع أنه ( العبيد ود ريا ) ، والخليفة الراحل كعادة سلفه يقطع المسافات الطويلة ليزور أمنا ريا في مرقدها البعيد في كل عام .
التواضع ميراثه وقد لقب جده الشيخ محمد نفسه ( بالعبيد ) حتى كاد أن ينسى الناس اسمه . الشيخ العبيد ود ريا يبالغ في تصغير وتحقير نفسه وهو من هو، فيناديها ( براعي كر ) أي راعي بهيمة الماعز ، وتقاليد البادية تجعل رعاة الماعز أقل الرعاة قدرا.
كان الشيخ الراحل كريما لا تدخل سكينه جفيرها إلا لتخرج حمراء من جديد .
بشوشا ترتاح عنده النفوس المتعبة .
ساعيا في حوائج الناس كبيرهم وصغيرهم ، قدوة ومثالا لمن عبد الله بما يعرف عند العلماء ( بوقف الجاه والشفاعة) .
لا يجف قلمه عن كتابة المذكرات والتوصيات لأصحاب الأغراض، ولا يصمت هاتفه في التواصل مع أهل الشأن من كل صنف ، يشفع شفاعة حسنة لكل صاحب حاجة ، يزدحم مجلسه بهم من كل حدب وصوب وقبيلة ونوع ، من أبناء الطريقة وغيرهم ، فلا يكل ولايمل .
حكيما غير صخاب ولا عجول ، وما العجب وهو وارث صاحب الحكم ود بدر الرشيد الذي أجرى الله على لسانه الحكم والمواعظ الخالدة ، حتى أنه صار مضرب الأمثال في فخيم وحكيم الأقوال .
كان شيخنا الراحل ورعا يلتزم جانب الشرع وقافا عن حدود الله ومقتضيات الشرع والدين ، ولا غرابة في ذلك ، فهو العارف بمقولة جده الشيخ ودبدر، التي احتاط فيها لنفسه حينما صار الناس ينسبون له كل قول ، فقال قوله المشهور الذي صار قاعدة : ( كان راعي تك [ تصغيرا وزجرا لنفسه] دخل القبير وجاكم منه خبير ، قيسوه على شريعة الخير ، إن وافق شريعة الخير إن قلته قلته وإن ما قلته قلته ، وإن خالف شريعة الخير إن قلته ما قلته ، وإن ما قلته ما قلته ) عجبي !!!
رغم بلوغ الخليفة الطيب التسعين ، فقد كان سعيه سعى الشاب العشريني
وكأنه المعني بقول القائل :
دثاره فاخر السجايا
وكبرياء الفتى الفقير
وإن في ناظريه عمقا
يشف عن مقصد كبير .
فلئن كان وصف جده ( أب أخفاف المن الله بخاف ) فإن الخليفة الطيب هو العراف المن الله بخاف.
لم تشغله مشاغل الخلافة وتكاليفها المرهقه عن السعي في شأن الوطن ، خاصة حينما أحاطت به المدلهمات وتكالب عليه الأعداء تمهيدا لاشعالهم الحرب الجارية .
كان يرى ببصيرة أهل الصلاح المخاطر المحدقة بالوطن والمؤامرات التي تحيط به ، فكانت مبادرته الشهيرة (بنداء السودان ) .
جمع فيها غالب أهل الغيرة الوطنية من قادة وعلماء وحكماء البلاد ، وقدم النصح للجماعة الوطنية السودانية بكل مكوناتها ،حكاما وقادة ومجتمعا . فهو مع لطفه ولينه شجاعا لايهاب قول الحق ولاتأخذه فيه لومة لائم .
إنعقد برعايته أهم مؤتمر مائدة مستديرة جمع ثلة من المؤثرين الوطنيين ، ما غاب عنه إلا جماعة الحرب وأنصارها .
وما خالف تلك المبادرة إلا المتمرد حميدتي وحلفاؤه الذين ناصبوها العداء وكادوا لها كيدا .
ستظل مبادرة (نداء السودان) تجربة فريدة وملهمة في محاولات تحقيق الإعتصام الوطني والمصالحة بين أبناء الوطن وجمعهم على كلمة سواء.
لم يكن الخليفة الطيب الشيخ الجد طارئا على الهم الوطني ، فهو سليل الأمير الشيخ العباس ودبدر قائد معركة فتح الخرطوم بناير 1885 من جهة شرق النيل وبحري .
وهو حفيد ناظر الخط لقبيلة المسلمية وشرق النيل ، فالرجل سليل قوم جمعوا بين الكتاب و الركاب منذ ما يقارب القرنين من الزمان .
رحم الله الشيخ الخليفة الطيب الشيخ الجد الشيخ العباس ودبدر وجزاه بخير ما يجازي به عباده الصالحين وعظم له الثواب وأخلف على الوطن خيرا .
وأحسن عزاء أهل السجادة القادرية البدرية وعموم أهل التصوف وأهل السودان أجمعين .
إنا لله وإنا إليه راجعون .
12 أبريل 2026
