آخر الأخبار

يد تبني وقطرة تحي .. مشروع صهريج مياه شرب العريض

بقلم : عزت عزالدين

كانت إحدى قري محلية نهر عطبرة تعيش على هامش الحياة كغيرها من قري السودان المختلفة،
فالسودان بعد الحرب لم يعد السودان الذي يعرفه الناس، فقد كانت القري تنظر الي السماء بخوف والمدن تفتح عينيها كل صباح علي فراغ ثقيل واشاعات كثيرة.
وفي تلك القرية كانت (فاطمة) تمر بين البيوت حاملة جردل الماء على كتفها، تتنفس بصعوبة وهي تصعد حافة الترعة لجلب المياه، لم تكن وحدها فالأطفال ومنهم ابنها الصغير (محمد) كانوا يتركون كتبهم ليقضوا نصف يومهم في جلب الماء من الترعة بدلا من الذهاب الي المدرسة، كانت تقول (كيف يبدأ الانسان من مكان لاشئ فيه) لكن قلبها يؤمن ان لكل ليل فجرا ينتظر ….
وذات مساء تغير كل شيء، وصل القرية فرق من منظمة تعزيز المجتمعات الضعيفة الوطنية، جاؤوا بسياراتهم البيضاء التي حملت معها رائحة جديدة … رائحة الحياة …
اقتربت (فاطمة) من إحدى الموظفات بالمنظمة وسألتها بخجل (هل يمكن ان تتغير القرية وتصبح مكان أفضل؟) ابتسمت الموظفة وقالت (ليس المكان هو ما يصنع الناس.. بل الناس هم من يصنعون المكان).
قامت المنظمة بالبدء فورا في بناء صهريج وتوصيل شبكة مياه للشرب بالقرية، وفعلا خلال أسابيع ارتفعت الانابيب بكل زاوية وسمع اهل القرية لأول مرة منذ سنوات صوت الماء وهو يندفع من المواسير كأغنية عادت بعد غياب طويل، صوت يشبه الوعود التي يطلقها الفجر بعد ليلة طويلة، وفي ذلك اليوم جلست فاطمة علي عتبة بيتها تبكي لا لأنها متعبة، بل لأنها رأت أبنائها يعودون من الدراسة يحملون دفاترهم لا جرادل الماء.
عاد الزمن يدور في صالح القرية وكبرت فاطمة حين قضيت يومها بلا حمل ماء، وكبرت القرية ولسان حالها يقول ان الحياه ليست بعيدة بل تنتظر خطوة فقط ومع مرور الوقت صارت القرية خضراء والمدرسة مليئة بالأطفال والنساء يتعلمن ويتدربن علي مشاريع لكسب العيش ، و عادت جلسات الانس والسمر ، وفي احدي الامسيات قالت احدي نساء القرية لفاطمة ( كنت اظن ان القرية نائمة لكن يبدو اننا من كنا نحتاج لان نستيقظ) ردت فاطمة وهي تضحك والمنظمات لم توقظنا فقط بل علمتنا كيف نبقي مستيقظين ….
يقولون ان اكثر ما يقنع الانسان هي الأفعال والشواهد ، واننا في السودان كغيرنا من دول افريقيا والعالم الثالث ما زال لدينا تحديات كثيره في توفير معظم مطلوبات الحياة للمجتمعات ما جعل المنظمات الدولية دور كبير في توفير كثير من احتياجات الحياه من مياه شرب وصحة وتعليم ويتسم عمل المنظمات بأبعاد إنسانية واقتصادية واجتماعية متعددة ، وكما هو معروف فان هنالك منظمات وطنية أصبحت تعمل مع المنظمات الدولية في تكامل للأدوار لتحقيق رفاهية الانسان ، لقد عرفنا دورها جيدا في هذه الفترة الفارقة في مجتمعنا (فترة الحرب) ، والتي ظهرت فيها المنظمات الوطنية وأصبحت تقدم مشاريعها وانشطتها الإنسانية في مختلف ربوع وارياف بلادي ومنهم منظمة تعزيز المجتمعات الضعيفة الوطنية وبتمويل من برنامج الغذاء العالمي اسعدت مجتمع قرية العريض بإنشاء صهريج وتوصيل شبكة مياه القرية ، هذه المنظمة التي أنشئت قبل ثمان سنوات فقط وقدمت خدمات ما يفوق عدد سنواتها من مشاريع ومساعدات إنسانية واستجابة للطوارئ في ولايات مختلفة من السودان مثل كسلا ، القضارف ، البحر الأحمر ، الجزيرة والولاية الشمالية ، والان تعمل علي فتح مكاتب لها في ولايتي النيل الأزرق ونهر النيل ، تعمل في مجال الزراعة و الثروة الحيوانية والامن الغذائي ، والتعليم ، والمياه ، والصحة والتغذية وحماية وتمكين المرأة .
فالمنظمات الدولية والوطنية تعلب دورا حيويا في تحسين حياة المجتمعات الضعيفة في السودان حيث تسعي لتخفيف المعاناة وتحقيق التنمية رغم البيئة المعقدة التي تعمل فيها والتحديات التي تواجهها، الا انها تمتلك الخبرة الكافية في تنفيذ مشاريع التنمية في المجالات المختلفة ، التي يمكن الاستفادة منها في سودان ما بعد الحرب في مرحلة البناء والتعمير، فهي تعتبر من أدوات التنمية الأساسية التي تسد فجوات لا تستطيع الحكومة تغطيتها بالكامل ، كما انها تعلب دورا كبيرا في تدريب وتوعية ورفع قدرات المجتمعات المحلية بل وتمثل حلقة وصل بين مثلث التنمية في البلد (الدولة والقطاع الخاص والمجتمع ) فهل اهتممنا بها وقدمناها عندما نفكر في وضع سياسات تنموية شاملة للبلاد ضمن خطة الاعمار .

الانضمام لمجموعات سودان إكسبريس في واتساب